290
وتشير هذه التسميات إلى نفس التوجه النازل،
291
ويتمثل في ثنائية عصر النهضة خاصة من الكوجيتو، فما هو مصدر هذا الخط؟
أولا، يوجد المثل الأعلى للعلم في قانون الجاذبية، في بساطته، كمثل لتحويل الطبيعة إلى رياضة، وهو صادق في الميدان التجريبي وكقانون نظري، وهو جزء من عدد لا نهائي من القوانين المماثلة، ويشهد بوجود مثالي للقانون ضد كل نزعة أنثروبولوجية، وما كان للحكم الذي يعبر عن صيغة الجاذبية أن يكون صحيحا قبل أن يتحول إلى قانون للجاذبية والتحقق من صدقه.
292
وكان لتحويل الطبيعة إلى رياضة نتيجة معاكسة، أراد الحصول على الموضوعية ولكنه أصبح نظرية في الذاتية الخالصة للصفات الحسية الخاصة، وقد أعيد فهم هذه النظرية فيما بعد كنظرية في الذاتية لمجموع الظواهر العيانية للطبيعة المرئية المحسوسة وللعالم بوجه عام،
293
وهكذا يتحدد الخط النازل في مقابل الخط الصاعد وبالتفاعل معه، يبحث عن العالم العياني ضد رده إلى قانون، ويجد هذا العالم في ذاتية التمثل الخالصة.
وفي نفس اللحظة، وبالرغم من تحويل الطبيعة إلى رياضة، بدأ المعنى الصوري لعلم الطبيعة يصبح مشكلة، فقد وجد من قبل في رحم الجبر،
294
ثم دفع إلى الحد الأقصى في الرياضيات الشاملة، ثم انتهى إلى تفريغ المعنى من العلم الرياضي للطبيعة في التقنية، وقد زاد هذا التفريغ حتى أصبح نسيان المعطى الحي، وهو المعنى الأساسي لعلم الطبيعة، ونسي العالم الحي واختفى تماما المعطى الشعوري، وحدث سوء فهم قاتل لنتائج معنى الرياضة، وتوجد هذه النتيجة العكسية في الذاتية كرابطة بين الصفات الحسية؛ مما أدى فيما بعد إلى النزعة التجريبية،
295
كانت هذه النزعة التجريبية إذن رد فعل ضد نسيان العالم الحي في عملية تحويل الطبيعة إلى رياضة،
296
وأغلق الطريق البعدي الطريق القبلي، وأسس إثبات العالم العياني كعالم مدرك.
إن تشبيه النزعة التجريبية بخط نازل له مبررات عديدة؛ إذ ينتهي تطور النزعة التجريبية إلى تواز بين التجربة الداخلية والتجربة الخارجية،
297
وقد تم تجاوز هذه الثنائية بنوع من المثالية الحالة التي وقعت هي نفسها في الاتجاه الطبيعي؛ وبالتالي في علم النفس الثنائي وفي الخيال، وتبلغ ذروة النزعة التجريبية في نظرية معرفة ميتافيزيقية خاصة في نظرية «النظرية المزدوجة» التي أعطت بعدا نظريا للتجربة العامة في تجريد مزدوج، ومع ذلك لم تستطع هذه النظرية تجاوز ثنائية علم النفس التي كانت تهدف إليها، وهكذا ظلت الثنائية الحالة في الكوجيتو عقبة لا يمكن تجاوزها، بل إنها قويت يوما بعد يوم، وبعد ثنائية النفس والبدن في الكوجيتو، رد البدن إلى النفس في عملية تحويل الطبيعة إلى رياضة، ثم وضعت النفس في موازاة البدن، ثم رد إليه في الاتجاه الطبيعي.
298
والنزعة التجريبية شك،
299
وأهميتها الكبرى في تحويلها إلى علم نفس ونظرية معرفة، في صورة نقد للذهن، فقد أخذت النزعة التجريبية في تطورها أشكالا عديدة؛ النزعة الفيزيقية والنزعة الطبيعية، والمثالية الذاتية، وعلم النفس التجريبي.
300
أولا:
أرادت النزعة الفيزيقية أن تثبت نفسها كنسق فيزيقي، وكان لديها العقلانية الفيزيقية كنموذج، واعتبرت النفس كمنطقة مغلقة للطبيعة، تحتوي على الأجساد الحية والأجساد البشرية، وكان نموذج علم الطبيعة ومنهجها هو الذي يتحكم في هذه المنطقة،
301
وتبنى علم النفس منهجا استقرائيا خالصا، كان علما طبيعيا للنفس،
302
وأخذ علم الطبيعة كنموذج كامل لعلم النفس، وإذا فهم كوجيتو العصور الحديثة كجوهر روحي فإنه قد تحول إلى مجرد مظهر ذاتي يسوده التوازي النفسي، وتجد مادية العصور الحديثة جذورها في علم النفس المادي هذا،
303
النزعة التجريبية الحديثة هو ميراث الشك والاسمية المادية في العصر القديم.