250
وقد ثبت الأنا داخل الكوجيتو كجزء من العالم، وثبت العالم استنباطا من الكوجيتو، ووضع قبلي ساذج بجوار قبلي عال، وبداهة سذاجة بجوار بداهة المرئي، يفقد المعنى الترنسندنتالي الخاص للأنا، وظل هذا النقص في الوضوح حتى قدوم الظاهريات التي استعادت نقطة البداية المطلقة، ولم يمنع هذا الاسترجاع المتأخر للظاهريات لنتائج الكوجيتو ثنائية العصور الحديثة من الاتساع أكثر فأكثر في خطين؛ الأول صاعد والآخر نازل. (أ-أ) الخط الصاعد: العقلانية
251
بعد فشل الكوجيتو الديكارتي، استأنف الديكارتيون مشروع النهضة بعد أن ورثوا الثنائية التي جعلت الوعي فكا مفتوحا،
252
استمر الخط الصاعد نظرية العلم القديمة في تحويل الطبيعة إلى رياضة في العصور الحديثة والعقلانية الخارجة من الكوجيتو، يمثله أساسا الواحدية الميتافيزيقية، والرياضيات الشاملة، وفلسفة المناسبة.
253
استمرت الواحدية الميتافيزيقية في الخط الصاعد خارجة من الثنائية الديكارتية في تعارض مع الخط النازل؛ فالواقع أن ثنائية البدن والنفس نتج عنها شيئان متضادان؛ الأول رد البدن إلى النفس في الوحدانية الميتافيزيقية، والثاني رد النفس إلى البدن في علم النفس التجريبي، وبدلا من تقليل المسافة بين خطى الثنائية الخارجة من الكوجيتو، على العكس اتسعت المسافة، وزاد انفتاح الفك الذي يمثل الوعي الأوروبي، وإذا استطاعت الميتافيزيقا السيطرة على الفيزيقا فقد اتبعت النفس الطريق ذاته، وعلى منوال تحويل الطبيعة إلى رياضة تحولت النفس أيضا إلى رياضة،
254
وكانت النتائج أكثر ضررا؛ وقوع الروح في النزعة الصورية، ونسيان المعطى الحي.
255
وعرضت «الأخلاق» طبقا للروح الهندسية، واستطاعت أن تبقى بعيدة عن المقتضيات الدينية واللاهوتية، ووصف الوجود غير اللاهوتي كمصادرات دقيقة، والله كماهية رياضية،
256
ليست «الأخلاق» فقط نظرية وجود أو كونيات أو لاهوتا عقليا أو ميتافيزيقا، بل أيضا أنطولوجيا، وتمثل على هذا النحو أول محاولة لتأسيس أنطولوجيات شاملة.
257
وبتحليل البواعث في الظاهريات يمكن التعرف على نماذجها السابقة في نظرية الانفعالات في العصور الحديثة،
258
وقد استكملت البواعث الوجدانية ببواعث عقلية،
259
في حين أن الباعث في الظاهريات ليس فقط باعث الذاتية، بل هو أيضا باعث الذاتية المشتركة، وتوجد فيها غائية التاريخ.
والجوهر في الظاهريات واقع موضوعي، وليس مجرد وجود في ذاته،
260
ودون الوقوع في «تموضع» علوم الطبيعة أصبحت الذاتية، بدلا من أن تظل وحدة عقلية، الفردي نفسه «المشار إليه».
261
وبالإضافة إلى الوحدة الميتافيزيقية يستمر الخط الصاعد، ويبلغ الذروة في «الرياضيات الشاملة»؛ فالواقع أن كل علم تجريبي ليس مجرد حادث نفساني بل يقوم على معيار مثالي،
262
وقد أعطى هذا التأكيد دافعا لتأسيس العلم كمعيار، ووجد العلم المعياري نموذجه في المنطق، وكان المنطق القديم ناقصا حتى ظهرت «الرياضيات الشاملة» لوضع منطق صوري شامل، يقابل أنطولوجيا صورية بربط المنطق بالحساب كما ارتبط بالفيزيقا والسياسة،
263
وقد بدأ إصلاح المنطق الصوري في الفلسفة الحديثة،
264
وجوهر هذا الإصلاح البحث عن «الرياضيات الشاملة» في نظرية الأشكال القياسية التي أصبحت النظرية العامة للحجاج الصوري،
265
وفضلا عن ذلك أضيفت إلى المنطق نظرية حساب الاحتمالات،
266
واستأنفت الظاهريات مشروع النهضة في البحث عن علم شامل نموذجه «الرياضيات الشاملة»، ولم تكن فقط تقنية للمنطق ولكن كانت لها أهمية نظرية خالصة، وهي توضح نسق المبادئ الترنسندنتالية.
267
واستكشفت الظاهريات ميدان المنطق الرياضي كميراث للعصور الحديثة،
268
وعادت فكرة الشكل التي أبرزها القدماء في منطق القضايا في «الرياضيات الشاملة»،