225
وأدت الثنائية إلى التمييز بين علوم الروح (العلوم الإنسانية) وعلوم الطبيعة، وكانت فرصة للتجريبية أن تؤسس علم النفس التجريبي،
226
وقد ساهمت حركتان معاصرتان للكوجيتو في تحديد تطور الوعي الأوروبي؛ الأولى حركة تحويل الطبيعة إلى رياضة، والثانية حركة إكمال علوم الطبيعة،
227
وقد ساهم كلاهما في النهضة، مكسبا أو خسارة. والواقع أن بين هاتين الحركتين يوجد الكوجيتو بثنائيته بين البدن والنفس، وقد قوى تحويل الطبيعة إلى رياضة مخطط النفس، وعلم الطبيعة كنموذج لمخطط البدن، تريد الظاهريات إذن تصحيح هذه النتائج الوخيمة للكوجيتو على أعتاب العصور الحديثة، العلاقة بين الظاهريات والذاتية بديهية،
228
الظاهريات هي استرجاع لمشروع العصور الحديثة؛ أي الذاتية كأساس لكل علم إنساني.
229
ويصبح الكوجيتو في الظاهريات أول دائرة لشعور فعلي تحيط بها دائرة ثابتة من البيئة الطبيعية، وتحيط بها دائرة ثالثة من البيئات المثالية.
230
وترفض الظاهريات باعتبارها اكتمالا للفلسفة في العصور الحديثة كل الجانب الاعتقادي فيها من أجل الإبقاء فقط على الدافع المنهجي،
231
وتترك كل الجوانب اللاهوتية والدينية،
232
وتعاود البداية الجذرية كضرورة فلسفية علمية في العصور الحديثة لتبدو في الظاهريات.
233
واعتبرت الأفكار كنوع من التأملات كما كان الحال من قبل مع الكوجيتو، وقد عرضت الظاهريات كلها باعتبارها «تأملات ديكارتية»،
234
ومع ذلك ليست الظاهريات الترنسندنتالية ديكارتية فيما يتعلق بالاستنباط، الأولى إيضاح في حين أن الثانية استنباط،
235
واسترجاعا للماضي، أي قراءة للحاضر في الماضي، فسر الكوجيتو كقصدية،
236
وقد أوضح الكوجيتو وحدة كل الأنساق النظرية،
237
ويطابق المعطى الحدسي في الظاهريات مستوى الخيال في الكوجيتو.
238
وبداية الظاهريات المكتملة كالعادة توجد فيها الموضوعات الكبرى في الفلسفة القديمة؛ فالظاهريات لا تخلق مشاكل ولا تضع مشاكل أخرى جديدة، تحاول حل كل المشاكل التي وضعتها الفلسفة الحديثة مثل الذاتية، والفلسفة الترنسندنتالية، والتجربة ... إلخ.
239
الظاهريات هي الإلهام الباطني لكل الفلسفة الحديثة،
240
وتوجه تطور الفلسفة إلى الداخل كتوتر وكباعث،
241
وأصبح التاريخ ضرورة داخلية،
242
فلسفة العصور الحديثة هي عود إلى ذاتها، فلسفة موجهة نحو الذات،
243
والفلسفة، ميلاد العصور الحديثة، هي نموذج هذه العودة.
244
ويتحقق مشروع الفلسفة في العصور الحديثة ابتداء من أحكام مسبقة معينة، أولا يقوم على مجموعة من نظريات العلم والأنساق المنطقية دون البداية ببساطة بفكرة علم شامل إن لم يكن قد ظهر بعد علم شامل محدد، ثانيا أخذ المشروع الهندسة أو الفيزيقا الرياضية كنموذج مقبول دون أي نقد مسبق، وكان للأفكار الفطرية نماذجها في المصادرات الهندسية، وهكذا رفضت الظاهريات كل نموذج لعلم معياري مقترح مسبقا دون أن ينشأ تدريجيا، ويتأسس أولا.
245
وفي العصور الحديثة، سبق المنطق العلوم، ثم قبلت العلاقة بعد ذلك حتى قدوم الظاهريات،
246
وقد حافظت الحكمة الشاملة التي تم البحث عنها في بدايات العصور الحديثة على الوحدة الأساسية لكل العلوم،
247
وسقطت أول محاولة، محاولة الكوجيتو، بسبب الأحكام المسبقة غير المرئية في «التأملات»، والتي استطاعت أخيرا الظاهريات التخلص منها إلى الأبد.
248
الظاهريات الترنسندنتالية إذن توسيع آفاق «للتأملات» في لحظتين؛ الأولى فحص التجربة الترنسندنتالية للأنا في وضوح خاص، والثانية نقد التجربة الترنسندنتالية ذاتها؛
249
لذلك استعمل لفظ «الكوجيتو» في معناه الأوسع قدر الإمكان من أجل احتواء كل التأملات المتعددة، والواقع أن نقد التجربة في الكوجيتو انتهى إلى النتيجة الآتية: نقصت البداهة المطلقة من التجربة، ونفي وجود العالم، وتأسيس كل معرفة في الأنا الكوجيتو؛ أي الأنا أفكر،