تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

205

وإذا كان الصدق الإلهي هو الضامن لبداهة التجربة يكون الوجود الإلهي هو الضامن لوجود العالم.

206

والكوجيتو هو أيضا المسئول عن نشأة المادية في الوعي الأوروبي، وإذا كان البحث عن أساس مطلق للمعرفة، وهو مشروع العصور الحديثة، موجودا في الأنا الترنسندنتالي، فإن هذا الأنا لم يسمح بوصف البنيات القصدية للمعطيات الحية للشعور؛

207

فالواقع أن الموضوعات الحالة في الشعور ليست موضوعات طبيعية، بل تظهر في الشعور كمعطيات حية، كانت دائرة الحلول التي اكتشفها الكوجيتو ناقصة، فلم يظهر الموضوع كمعطى أصلي،

208

الكوجيتو إذن هو المسئول عن الموضوعية الوضعية لعلوم الطبيعة.

209

ويرد على الاعتراض على الظاهريات بالأنا وحدية دائما باعتبارها فلسفة ترنسندنتالية، تبدأ من الأنا الترنسندنتالي وعدم القدرة على الوصول إلى الموضوعية إلا عن طريق ميتافيزيقا عقائدية بحضور الآخر وإمكانية التجربة الذاتية المشتركة،

210

تستعيد إذن الظاهريات مشروع النهضة وتخلصه من كل الشوائب، ميتافيزيقية غائية أو دينية.

وينكشف المعنى الأخير للعلم بجهد الحياة كظاهرة تتعلق بمضمون الشعور،

211

هنا يكتمل «الكوجيتو» و«الكوجيتاتوم»، صورة الشعور بمضمون الشعور، الأنا أفكر بالأنا المفكر فيه، فكل شعور هو شعور بشيء،

212

وقد تأسست كل الفلسفة الأولى في العصور الحديثة على «الأشياء المفكر فيها»،

213

ويظل تحديد الموضوع الفيزيقي باعتباره «امتدادا» مرتبطا بالفرد، موجودا في الزمان والمكان دون درجة عالية من التجريد،

214

لم يتعد الكوجيتو مستوى الحكمة الشاملة دون الوصول إلى الرياضيات الشاملة.

215

كان من الطبيعي ألا تهتم فلسفة العصور الحديثة كثيرا بالعلوم الوضعية، فقد تطورت هذه العلوم فيما بعد حتى قدوم الظاهريات، لم يكن هدفها فقط استئناف مشروع العصور الحديثة؛ أي البحث عن أسس علم شامل في الذاتية، بل أرادت إعطاء أساس مطلق للعلوم الوضعية التي ورثتها،

216

وأخذ العمل المنهجي للعلم الطبيعي كنموذج لعلوم الروح العيانية (العلوم الإنسانية).

217

ويرجع فشل الكوجيتو أساسا إلى التمييز بين الطبيعة والروح، بين الجسد والنفس في بداية الفلسفة الحديثة، وهو تمييز أدى إلى مادية الأول وصورية الثاني،

218

وانقسم الكوجيتو إلى «جوهر مفكر» و«عقل دون نفس»،

219

وتطورت الفلسفة الحديثة منقسمة إلى موضوعية ساذجة من ناحية، وذاتية ترنسندنتالية من ناحية أخرى،

220

كانت هناك من ناحية الروح المنهجية، ومن ناحية أخرى الجسد الذي ينتمي إلى الواقع الطبيعي.

221

وبطبيعة الحال ميزت الفلسفة الحديثة منذ نشأتها بين الشيء المادي والطبيعة الحية، ونسبت إلى الأول الامتداد وليس إلى الثاني، ويعرف الأول بوضع الشيء في المكان والزمان، في حين يعرف الثاني قبليا،

222

فضلا عن ذلك كانت الأرض ممهدة لبلورة ثنائية العصور الحديثة.

وبعد فشل تحويل الطبيعة إلى رياضة مباشرة، ظهرت الذاتية الترنسندنتالية تشق طريقا جديرا بالثناء بين المادي من ناحية، والصوري من ناحية أخرى، وهو ما بقي من المحاولة السابقة،

223

وكانت حجر العثرة الثنائية التي تركتها وراءها، وظل مشروع الرياضيات الشاملة ذاته قائما، ولكن الثنائية التي خرجت منه كانت أحد أسباب سوء فهم مسألة الفعل، والافتراض المسبق الخاص بالتخصص الدقيق لعلوم الطبيعة، وتأسيس علم النفس الطبيعي.

كان الوعي الأوروبي الذي تمثله الذاتية الترنسندنتالية أشبه بالفك المفتوح بين الموضوعية والترنسندنتالية، وبهذا الانفراج يبدأ كل تاريخ العصور الحديثة.

224

والبادئ بالفلسفة هو مؤسس الفكرة الجديدة للعقلانية الموضوعية، وظهور الباعث الترنسندنتالي. كانت الموضوعية العقلية متجسدة من قبل في تحويل الطبيعة إلى رياضية، والتي استمرت في الرياضيات الشاملة، والذاتية الترنسندنتالية هي المخرج لخطى التطور، العقلانية من ناحية، والتجريبية من ناحية أخرى،

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٨٨