182
ووضعت مواضيع التأملات بين قوسين (الرد) من أجل استبقاء الظواهر الخالصة وحدها،
183
وكان يمكن للشك أن ينتهي إلى نتائج أكثر أهمية، صحيح أن التأملات كانت حقائق أولية، ولكنها ظلت ظواهر نفسية، ويضع «الرد» الظواهر بين قوسين حتى لا تبقى إلا الرؤى الخالصة كمعطيات مطلقة.
184
لم يستطع مشروع العصور الحديثة تخليص الدائرة الترنسندنتالية من الاتجاه الطبيعي،
185
والعالم الخارجي الذي ظل موضع الشك في الكوجيتو بديهي،
186
وبالرغم من اكتشاف الذاتية ظلت منغلقة على نفسها دون أن تضع نفسها في العالم،
187
هذه الأنا وحدية للأنا الترنسندنتالي ليست غريبة عن الأنا وحدية للأنا النفسي.
ووضع الأشياء بين قوسين في الظاهريات هو عود إلى موضوع الشك، وضع الاتجاه الطبيعي خارج دائرة الانتباه، وهو موجه نحو الواقعة من أجل الإبقاء على الماهية، وظيفة الشك تخليص منطقة أنطولوجية في الوجود خارج الشك.
188
يبدو الشك محاولة سلب شامل، في حين أن الوضع بين قوسين هو مجرد تعليق حكم يقوم على اقتناع بالحقيقة اليقينية التي لا يمكن الشك فيها خاصة إذا كانت بديهية؛
189
فالأنا الخالص خارج الشك،
190
ويظل التفكير أيضا خارج الشك، ومعطيات الشعور معطيات أصلية ومطلقة،
191
يحقق الوضع بين قوسين في الظاهريات عودة ثانية إلى الذات المتأملة الخالصة،
192
فمن الضروري تطهير تأملات الفلسفة في العصور الحديثة من بقايا الاتجاه الطبيعي، نقص الكوجيتو المعنى الترنسندنتالي للرد الذي تقوم به الأنا بسبب واقعيتها الجذرية، والتي كانت السبب فيما بعد لنشأة الاتجاه الطبيعي،
193
وباختصار اكتشف «الرد» ثم ترك جانبا دون الاستفادة بنتائجه النهائية.
194
وكل أفعال الشعور التي تشكل الكوجيتو؛ الإدراك، التذكر، التخيل، الحكم، الرغبة، التمني ... إلخ، تكون في الظاهريات سلسلة من المعطيات الحية،
195
وغاب التفسير القصدي للتجارب في الفلسفة في العصور الحديثة، وظلت التجربة قريبة من نسبية العالم الذي يضمنه الصدق الإلهي،
196
وكل ما قدمه الكوجيتو كاكتشاف لعالم الذاتية كان ملحقا ببداهة الصدق الإلهي،
197
ولا تتجلى بداهة الكوجيتو في الشعور إلا بمساندة الصدق الإلهي،
198
فهي مضمونة بشيء آخر سوى ذاتها، في حين أن البداهة في الظاهريات حالة في المعطى الحي، يميز بداهة الكوجيتو الوضوح والتمييز بين الأشياء، في حين تنتمي البداهة في الظاهريات إلى المعطى الحي المطلق،
199
وهي من جانب الشعور أكثر منها من جانب الموضوع.
الوضوح هو طريق حضور الشيء في الشعور، وهي بداهة سابقة على العمل وبداهة بعد العمل، البداهة هي فكرة العلم الحقيقي؛ فالقاعدة الأولى في «مقال في المنهج» هي البحث عن بداهة أولية، والكوجيتو هو أول واقعة واضحة أولية.
200
البداهة يقين مطلق، لا يتطرق إليها الشك،
201
وبداهة وجود العالم بالرغم من أنها ليست قطعية داخلة ضمن البداهة الأولى،
202
أما بداهة العصور الحديثة فقد ظلت عقيمة؛ نقصها شيئان: الأول إيضاح المعنى المنهجي الخالص للوضع بين قوسين في الظاهريات، والثاني التفسير النسقي لكل ميدان البحث،
203
فلم تتعد مستوى ثقة ساذجة في العقل دون توضيحه ببحوث وفحوص منهجية، كان تطورها ساذجا وغليظا، ولم تؤخذ من هذا الكشف نتائجه القصوى. كانت غامضة، سطحية، تتضمن نظرية الجوهرين (الحركة والامتداد)؛ مما ساعد على الفهم الخاطئ للمعنى الصحيح للمشروع، وانتهت إلى أقل قدر ممكن من الترنسندنتالية، وأكبر قدر ممكن من الأحكام المسبقة الوضعية، وكان للعالم الطبيعي، ضد الشك، نموذجه في الرياضيات.
204
وإذا ضمن الصدق الإلهي الذي تم اكتشافه داخل الشعور الخالص موضوعية العلم؛ وبالتالي موضوعية العالم الخارجي في الفلسفة الناشئة في العصور الحديثة تجد الظاهريات الضامن للموضوعية في التجربة المشتركة، وإذا كان المطلق هو الضامن للموضوعية في العصور الحديثة فإن الآخر في الظاهريات هو الذي يقوم بدور المطلق،