158
وكان نموذج المعرفة نقطة أرشميدس، الموضوع المثالي بالأصالة،
159
واستمرت تفرقة القدماء بين الاعتقاد والمعرفة في العصور الحديثة الذي كان يقتفي أثر المعرفة؛ أي المعرفة العقلية.
160
وقد اكتشفت الفكرة عند القدماء كعلم دقيق، وكان اللجوء إلى البداهة موجودا سلفا في الطريق السقراطي، وتم الاقتراب من الفكر المنطقي في نظرية المثل، كان لتحول الطبيعة إلى رياضة في العصر الحديث نموذجه السابق عند القدماء في علم الواقع المتحول إلى مثال،
161
ومع اليونان ولدت إنسانية جديدة، تلك التي تتجه نحو الحقيقة الموضوعية،
162
وتأسس استقلال الإنسانية الأوروبية مع التصور الجديد لفكرة الفلسفة في عصر النهضة، واستمر الأصل في إعطاء المصادر، ولكن تطور الوعي الأوروبي تابع مقتضياته الخاصة، وبالرغم من أن الحضارة الأوروبية ميراث الحضارة اليونانية إلا أن هناك قصدية عامة تخترق الاثنين.
163
وهكذا فإن الفلسفة اليونانية منبع كل غائية في التاريخ الأوروبي،
164
وأصبحت بنيتها نفس بنية الحضارة الأوروبية، واستعملت نظرية «المثل» كمعين لا ينضب لعقلانية العصور الحديثة، واستمرت نزعة الشك القديمة أساسا للنزعة التجريبية الحديثة، الذاتية في العصور الحديثة وحدها هي الاكتشاف الأصيل، وكل تاريخ الفلسفة الحديثة هو صراع من أصل الإنسان.
165 (أ) البداية: الكوجيتو الديكارتي
166
نقص «الكوجيتو» في العصور الحديثة التوجه الترنسندنتالي، وهي مصادرة قطعية يستنبط منها العالم،
167
ولم يلاحظ دور الآخر متضايفا مع الشعور في التجربة الذاتية المشتركة، ولم يستطع علم النفس، كنتيجة طبيعية للكوجيتو، اكتشاف المسألة الترنسندنتالية.
168
تم وضع الوعي الخالص فقط إلى الأمام منفصلا عن الواقع الطبيعي، وعالم الآخرين، وعالم الأشياء.
169
وبالرغم من أن الكوجيتو هو أكبر كشف للوعي الأوروبي، نقصته كل الأشكال الترنسندنتالية.
لقد وقع الكوجيتو كذاتية ترنسندنتالية في تفسير خاطئ للأنا الخالص، وهو التزييف النفساني حتى بعد «الرد»، وهو ما يعادل الشك، فتحدد الكوجيتو على أنه «الذهن بدون النفس بدون العقل».
170
وساد أيضا تحول الطبيعة إلى رياضة تصور الجسد؛ فاعتبر الجسد منطقة في الطبيعة، وكان دفن الذاتية الترنسندنتالية في الموضوعية سبب هذا التفسير الخاطئ،
171
وباختصار ظل الكوجيتو ذاتا نفسية أكثر منه ذاتا ترنسندنتالية،
172
وساهم في نشأة علم النفس في العصور الحديثة،
173
ولم يستطع علم النفس هذا استئناف الطريق الذي شقه الكوجيتو، بل اتبع فقط نتائجه الوخيمة،
174
وترك التفكير من حيث هو «تفكير».
175
وفي هذا الاتجاه سار كل علم النفس التجريبي. رسالة الظاهريات إذن هي تخليص الميدان اللانهائي للتجربة الترنسندنتالية؛ ففي فلسفة العصور الحديثة وضعت هذه التجربة موضع النقد،
176
وكانت عرضة لإمكانية الخطأ أو الخداع، وأهمل المعنى الأساسي للتجربة كعطاء أصيل للأشياء ذاتها.
177
وبتعبير آخر، لم يأخذ الاكتشاف العظيم للعصور الحديثة مكان الصدارة، أزيح جانبا، وترك في الظلام، وأهملت المسألة الرئيسية لتأسيس الفلسفة، ويعود هذا إلى أن نقد الشك لم يكن كافيا، ووقع الكوجيتو نفسه في النسبية، سواء فيما يتعلق بافتراض وجود العالم أو ما يتعلق بضمان الموضوعية بالصدق الإلهي،
178
قامت الموضوعية أيضا على أساس النفسانية اللاهوتية.
179
واستكمل نقص البداهة ببنيات ميتافيزيقية، ولم تكن التأملات جوانب لموضوعات مماثلة للجوانب الموضوعية المطابقة، بل كانت معطيات مطلقة؛
180
لذلك تستعيد الظاهريات تحليل الكوجيتو لتبين أولا السمة الشاملة للأنا، ولتبين ثانيا أن البداهة لا شأن لها بالموضوع الواقعي، ولتبين ثالثا أن مضامين الشعور تقوم على بنيات قصدية.
181
ولم يتم تطوير الانفصال عن الاتجاه الطبيعي، واكتشاف دائرة المعطى الحي حتى النهاية في الكوجيتو،