98
وقد وجدت الفلسفة الحضارية لأول مرة في الفلسفة اليونانية.
99
كانت نظرية العلم عند القدماء أول محاولة لتشكيل علم شامل،
100
وكانت تمثل العلم العقلي الموضوعي والشامل، وكانت تعادل تقريبا الحقيقة ذاتها، وتصبح فيما بعد نموذجا لعقلانية العصور الحديثة .
والفلسفة بعد أفلاطون فلسفة رياضية،
101
فكتاب «المبادئ» للهندسة لإقليدس هو أول محاولة لوضع الرياضيات التقليدية في نسق يتجه نحو الصورية،
102
الهندسة «الإقليدية» نظرية في المكان، ويعطى طابعها الاستنباطي درجة عالية في الصورية،
103
ومنذ العصر القديم ظل النموذج «الإقليدي» قائما، ووجد تحققه في النظرية الحديثة للكثرة،
104
الهندسة «الإقليدية» معجزة حقيقية في عالم العقلانية؛
105
فهي إحدى أصول العلوم الرياضية الطبيعية مع علم الفلك النظري.
106
وبفضل منهجها الذي لا يمكن مقاومته، والذي كان يدفع إلى خطوات جديدة، فقد أيقظت مملكة المعرفة في قيمتها ولانهائيتها.
107
كانت الهندسة في بداية العصور الحديثة ضمن العلوم العقلية للطبيعة، وكان لها نموذجها في العصر القديم في تطبيقها الخصب في الفيزيقا،
108
كانت ذات نزعة أفلاطونية، وهي أول صورة لعلم الطبيعة الدقيق.
109
وتبلغ فلسفة الوجود الذروة في إثبات اللاوجود كنمط للوجود؛ فالظواهر ليست هي النمط الوحيد للوجود، فضلا عن أنها تعطي قيمة مطلقة للذهن ضد الشك،
110
ولأول مرة يسير فكر الوجود في اتجاهين.
111
وفي «فكرة حضارة فلسفية»، كانت السمة الرئيسية في العلم اليوناني هي الفلسفة كاهتمام نظري خالص للبحث عن الحقيقة،
112
وظلت هذه السمة في البحث عن الحقيقة في الوعي الأوروبي.
فكرة العلم إذن هي ذروة الحضارة اليونانية قبل أن تنهار، ومع ذلك لم تعط نظرية العلم نتائجها المرجوة، تحولت إلى علوم خاصة، وتركت المشروع الأول؛
113
لذلك كتب تاريخ الفلسفة اليونانية ونظرية العلم في ذروته، مهدت له الفترة السابقة، ولكن لم تحافظ عليه الفترة اللاحقة، يمكن إذن تمثيل تطور الحضارة اليونانية بمنحنى «جاوس».
وعرفت نظرية العلم، ذروة الحضارة اليونانية، لحظات انهيار في الشك والاتجاه الطبيعي والنزعة العملية، يمثل السوفسطائيون الاتجاه الأول، وفلاسفة الطبيعة الاتجاه الثاني، والمدارس الأخلاقية في نهاية الحضارة اليونانية الاتجاه الثالث.
أولا:
لم يكن الجدل السوفسطائي جدلا إيجابيا بل كان جدلا سلبيا، لم يؤكد وحدة الفكر والوجود، بل أنكر قيمة الذهن بإثبات وجود العدم؛ فالعدم مصدر الحقيقة.
114
الذاتية جوهر الشك.
115
والمعرفة غير ممكنة إلا من خلال التجربة، والمعرفة نوع متميز عن الاعتقاد.
116
ومع ذلك لا يهم إذا كان للأول أو الثاني ضرورة في الفكر أم لا طالما أنهما يوجدان من خلال الحدوس الحسية، ينتهي الشك إذن إلى الأنا وحدية؛ لأنه لا توجد إلا إمكانية واحدة للمعرفة الموضوعية،
117
والتناقض ممكن طالما أنه حسي،
118
لا يوجد شيء، وإذا وجد فإنه لا يمكن معرفته، هذه هي خلاصة الشك،
119
وإذا كان الشك نسبية فهو أيضا نزعة سلبية.
120
كان مذهب الشك اليوناني نوعا من الأنا وحدية، والأنا وحدية نوع من الانقطاع في تطور الفلسفة اليونانية، وأحط من شأن فكرة العقل من خلال الحجاج، ولا توجد حقيقة في ذاتها، لم يكن بالإمكان إقامة علم معياري،
121
منع الشك الشامل من إمكانية تأسيس علم حقيقي وموضوعي، كان غرض التفكير تبريريا، نقدا فكريا للتجارب؛
122
لذلك كان علم النفس وعلم الأخلاق هما العلمان الماديان دون أي علم نظري، كان العلم علما خاصا دون أي إمكانية لتأسيس علم شامل؛
123
لذلك حدث رد فعل جدير بالثناء لإمكانية تأسيس علم حقيقي وموضوعي،
124
وهو غير الجدل الأفلاطوني الذي كان في مواجهة الحجاج السوفسطائي.
125
ثانيا:
اقترب تيار الشعور من تيار هراقليطس،