18
وتحول حوار الأستاذ سقراط بعد ذلك إلى جدل عند تلميذه أفلاطون، ثم إلى منطق عند تلميذه أرسطو،
19
وفسر منهج الإيضاح كحدس للماهيات.
20
انحرف طريق سقراط لأنه لم يهتم بالنظرية؛
21
أخذ الطريق العملي، وعارض البداهة بالغموض لغاية عملية خالصة، واعترف بضرورة وجود علم شامل كنقد حدسي وقبلي للعقل، مرتبط بمنهج وعي بالبداهة كمصدر لشرعية التعريف، وقد أعطى هذا المنهج ثماره في تحويل الحياة العملية والظواهر الخلقية إلى قواعد صورية، ومع ذلك لم تتحول هذه البنية النظرية إلى منهج، بل تحققت فيما بعد على نحو كامل في نظرية «المثل».
22
وتعزى فكرة علم حقيقي لسقراط وأفلاطون،
23
والقيمة الوحيدة لهذه الفلسفة الخلقية هو التأكيد على موضوعية القيمة ضد الشك السوفسطائي، والتي ستصبح فيما بعد موضوعية العلم العقلي.
24
وإذا كان الطريق السقراطي لم يبلغ بعد درجة العلم العقلي الخالص إلا أنه استمر كأكثر النماذج كمالا في فلسفة الوجود القديمة، وفي كل مرة يئن الإنسان فيه تحت ثقل العلوم التي وضعها يظهر الطريق السقراطي ليرد إلى الإنسان اعتباره كذات وليس كموضوع؛ فالذاتية في فلسفة الوجود والديمومة في فلسفة الحدس كان نموذجهما فلسفة الوجود في العصر القديم الذي كان يمثله الطريق السقراطي.
25 (أ-أ-ب) فلسفة العقل
26
وتمثل نظرية «المثل» فلسفة العقل في العصر القديم، وهو أول عنصر في فلسفة العلوم، وتمثل التمييزات بين الحسي والعقلي، والمادي والصوري، والعملي والنظري، الأسس الأولى لنظرية خالصة في العلم؛ بل إنه في ميدان الأفكار هناك تمييز بين فكرة الأفكار ومجموع الأفكار، وهو ما يقترب من النظريات الرياضية الحديثة في الكثرة والمجموعات.
27
وقد أطلق اسم «أفلاطوني» على كل حركة في العصور الحديثة مع لفظ منطقي، وفي مواجهة النزعة النفسية، فكان لوجود الأفكار والماهيات المستقلة نموذجها السابق في «الأفلاطونية»،
28
وقد اعتبرت النزعة التجريبية نزعة أفلاطونية مضادة،
29
ووضعت الموضوعات المثالية في ميدان «أفلاطوني» واسع،
30
وقد ترك العلم الحديث نموذج العلم الصحيح الذي بدأه أفلاطون في العصر القديم،
31
وسميت كل حركة مثالية في الوعي الأوروبي «أفلاطونية»،
32
ولم تكن فقط في العصور الحديثة، بل استمرت في كل لحظة تسود فيها نزعات وشك والنسبية،
33
كان اللجوء إلى الروح الأفلاطونية هو الضامن لكل عقلانية تقنية،
34
في حين كان شعار النسبية في العصر القديم «الإنسان معيار كل شيء».
35
وبمنهج تراجعي، أي قراءة الحاضر في الماضي، فسرت نظرية العلم في العصر القديم كنظرية قبلية خاصة بفكرة العلم، والتي تقوم على حدس نظري خلاق،
36
وتستمر العقلانية اليونانية التي تعطي الفكرة للعصور الحديثة في تفسيرها الجديد طبقا لحاجات الوعي الأوروبي ومقتضياته.
37
ويمكن الإمساك بالفكرة عن طريق الجدل باعتباره بداية لا تنسى للمنطق كنظرية في العلم،
38
وهو إعادة قراءة للحوار عند أستاذه سقراط ووضعه على مستوى النظرية الخالصة، وقد تم التمييز بين الفلسفة الأولى كمنهجية شاملة، وهي الجدل، والفلسفة الثانية، وهي العلوم الفلسفية العملية.
39
كان الجدل أول منهجية ذاتية تخلصت من الجانب التجريبي ليصبح بعد ذلك هندسة خالصة أو حسابا خالصا،
40
وكان أول محاولة لنظرية في العلم ضد السوفسطائيين.
41
استطاع المنهج في العصر القديم أن يصل إلى الفكرة أو الذاتية، وهي الاكتشاف الأصيل في العصور الحديثة، ولكن لم تصل إلى درجة العقلانية كما كان الحال في العصر القديم،
42
ومع ذلك كان اكتشاف الذاتية أول تحقيق لقصد نظرية العلم في العصر القديم،
43
وكانت «الروح ذات الريش» تشير إلى البحث عن رؤية ترنسندنتالية،
44
فتحولت الأسطورة «الميثوس» إلى عقل «لوجوس»، والخيال إلى علم، والصورة إلى فكرة، والمجاز إلى حقيقة.