تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وتتعادل المرحلة الثالثة مع الحديثة، المرحلتان الأولى والثانية، القديمة والوسطى، ويتشعب المصدر إلى ثلاثة: المصدر اليوناني الروماني، والمصدر اليهودي المسيحي، والبيئة الأوروبية نفسها. أما التطور، وهو أيضا البنية-التطور، فقد امتد من نقطة البداية إلى نقطة النهاية، من ديكارت إلى هوسرل، من الكوجيتو إلى «الكوجيتاتوم»، من «الأنا أفكر» إلى «الأنا موجود»، وما بينهما انبعاج في مسار الحضارة الأوروبية بين الأعلى والأدنى، بين الصورية والمادية، انفراج من «الأنا أفكر» وضم في «الأنا موجود».

12

ولا تعتبر مصادر الوعي الأوروبي حضارة مستقلة بل مرحلة فيه، ممثلة للإنسانية جمعاء؛ فكل حضارة تعتبر نفسها حضارة مركزية لها قوة جذب كنموذج لغيرها في الشرق والغرب على السواء،

13

فكانت حضارة الصين، والهند، وفارس، وما بين النهرين، ومصر القديمة، وكنعان، وأخيرا اليونان حضارات جذب للحضارتين الآسيوية والأوروبية ثم الحضارة العربية الإسلامية، قبل أن ينتقل المسار إلى الحضارة الأوروبية الحديثة.

والإحالة في الظاهريات إلى مصادر الوعي الأوروبي قليلة إلى حد ما، وكان ذلك طبيعيا لأن الظاهريات تتحدد بالنسبة إلى عصر النهضة وليس بالنسبة إلى العصر المدرسي، ويحلل المصدر اليوناني الروماني نسبيا، في حين أن المصدر اليهودي المسيحي غائب تماما على الأقل في الإحالات المباشرة، وإن ذكر فإنه يكون منقطعا عن المصادر البيئية الأولى للوحي، والبيئة الأوروبية نفسها وظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية لا وجود لها، وكان الوعي الأوروبي وعيا مثاليا بلا تاريخ، ومع ذلك تكفي الإحالات القليلة للمصادر لتبين إلى أي حد يعتبر الوعي الأوروبي نموذجا مثاليا كاملا، وإلى أي حد يكشف عن مصادره الأوروبية أو غير الأوروبية (الأفريقية الآسيوية) ضد مؤامرة الصمت عليها حتى يبدو وكأنه خلق عبقري على غير منوال. (أ) المصدر

ويشمل ثلاثة مصادر: المصدر اليوناني الروماني، والمصدر اليهودي المسيحي، والبيئة الأوروبية نفسها. (أ-أ) المصدر اليوناني الروماني

14

وقد استعمل المصدر اليوناني أكثر من المصدر الروماني طبقا للوهم الشائع أن اليونان هم أهل «اللوجوس»، والرومان هم أهل «الليجوس»؛ أي القانون،

15

والظاهريات هي اكتمال اللوجوس.

16

صحيح أنه من الصعب الحديث عن الحضارة الرومانية لأنها إعادة قراءة للفلسفة اليونانية، ومع ذلك من الصحيح أيضا أن لكل حضارة بؤرة اهتمام مخالفة للأخرى؛ فإذا كانت الحضارة اليونانية تبحث عن «الفكرة»، والتي اشتقت منها الظاهريات «الرد النظري»، فإن الحضارة الرومانية أعطت القانون.

وتمثل الفلسفة اليونانية المصدر اليوناني بالأصالة، أما الأساطير اليونانية والأدب اليوناني والعمارة اليونانية والعلم اليوناني، فكان كل ذلك غائبا، وظهرت الفلسفة اليونانية في كل أشكالها؛ فلسفة الحياة (سقراط)، فلسفة العقل (أفلاطون)، فلسفة المادة (أرسطو). وبتعبير آخر استنفدت الفلسفة اليونانية الأنواع الثلاثة الممكنة للفلسفة في أي حضارة، هذه الفلسفات الثلاث هي التي ظهرت فيما بعد في الوعي الأوروبي كفلسفة وجود، وفلسفة روح، وفلسفة طبيعة، بصرف النظر عن البداية والوسط والنهاية، بدأت الفلسفة اليونانية بالوجود عند سقراط، ثم بالروح من أفلاطون، ثم بالطبيعة عند أرسطو. وبدأت العصور الحديثة بالعقل عند ديكارت وكانط وهيجل، ثم بالطبيعة عند ماركس والوضعية، ثم بالوجود عند فلاسفة الوجود. فما ظهر في البداية عند اليونان ظهر في النهاية في العصور الحديثة، وما ظهر في النهاية في العصور الحديثة ظهر في البداية عند اليونان.

17 (أ-أ-أ) فلسفة الحياة

ولم يذكر مؤسس الفلسفة اليونانية، سقراط، إلا نادرا، واعتبره إصلاحيا للحياة العملية ضد شك السوفسطائيين دون أن يستطيع أن يضع المسألة على مستوى العلم النظري، كانت تأملاته تدور حول المسألة العقلية، ومع ذلك كان منهجه منهج الإيضاح معتمدا على البداهة.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٧٩