تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت الذاتية تمثل المحور الرأسي في الذاتية فإن الذاتية المشتركة تمثل المحور الأفقي؛ أي التاريخ، وهنا تتحول الظاهريات من فلسفة ترنسندنتالية إلى فلسفة في التاريخ، والواقع أن للذاتية المشتركة الترنسندنتالية دورا معرفيا في مشاركة تجربة الأنا مع الغير، ومع ذلك فإن لها دورا آخر في الاكتشاف التدريجي للظاهريات في تطور الحضارة وهي في طريقها إلى اكتمال الحقيقة، وإذا اتجهت الذاتية في حركة رأسية ذات اتجاهين، من الصوري إلى الترنسندنتالي، ومن المادي إلى الترنسندنتالي، فإن الذاتية المشتركة تتجه أيضا في حركة أفقية ذات اتجاهين كذلك، تقدمي وتراجعي، إلى الأمام وإلى الخلف؛ للاستبصار؛ أي قراءة الحاضر في المستقبل والمستقبل في الحاضر، وللاسترجاع؛ أي قراءة الحاضر في الماضي والماضي في الحاضر.

3

وتظهر هذه الحركة التقدمية في دراسة البواعث التاريخية في نشأة الحضارة وتطورها، والباعث بالأصالة هو مشروع العلم الشامل الذي طالما كان موضوعا للبحث، حركة التاريخ حركة غائية؛

4

إذ تكشف الذاتية المشتركة الترنسندنتالية تدريجيا أحد جوانب هذا العلم الشامل حتى تحققه الأخير.

5

وتظهر الحركة التراجعية في التفسير التراجعي للمذاهب الفلسفية السابقة وكأنها كانت في بحث مستمر، شعوري أو لا شعوري، عن الظاهريات؛ لذلك عرضت كل فلسفة في ذاتها ثم أدخلت في إطار غائية التاريخ،

6

وأحيانا يكون عرض الفلسفة مستقلا محايدا، وأحيانا أخرى يكون متضمنا ومقروءا في الظاهريات، وأحيانا يكون العرض التاريخي، باعتباره الإلهام الضمني لكل فلسفة مع الفلسفة السابقة، وأحيانا أخرى مع الفلسفة اللاحقة.

7

وبتعبير آخر ليس تاريخ الفلسفة مجرد تاريخ المذاهب والنظريات المتجاورة، بل يهدف إلى التعرف على المشروع الحال في كل الفلسفات السابقة؛ فتاريخ الفلسفة لا يدونه المؤرخ بل الفيلسوف.

ومن الصعب في الذاتية المشتركة التمييز بين البنية والتطور كما هو الحال في الذاتية، كما أنه من الصعب إيجاد مخطط للاثنين؛ فالذاتية المشتركة ما زالت على مستوى التدوين وليس التقنين، كما أن بنية الوعي الأوروبي بنية تاريخية، نشأت في التاريخ، ثم تكلست، وأصبحت بنية لا يمكن فهمها إلا بعد تفكيكها والعودة إلى التاريخ وإرجاعها إليه، البنية هي اكتمال التاريخ، والتاريخ هو تحقيق البنية. ومع ذلك، وبمزيد من الإحكام، يمكن إيجاد مخطط لبنية الوعي الأوروبي وتطوره باعتباره نموذجا متميزا للذاتية المشتركة، يمكن إيجاد مخطط واحد يصور البنية والتاريخ في وقت واحد. ولما كان نموذج الذاتية المشتركة هو الوعي الأوروبي، فإن وصف بنيتها وتطورها هو في نفس الوقت وصف بنية الوعي الأوروبي وتطوره.

8

يمكن رؤية البنية عبر التاريخ، وهي بنية ثلاثية، تتمثل في اتجاهات ثلاثة تخرج من الذاتية، اتجاه إلى أعلى نحو الصورية والتجريد مثل معظم الفلسفات المثالية والأفلاطونية، نموذجها الفريد والدائم، واتجاه آخر إلى أسفل نحو المادية والتجريبية والحسية، والوضعية نموذجها المعاصر، واتجاه ثالث إلى الأمام أو إلى الداخل نحو النفس وتمثله كل فلسفات الحياة والوجود، والظاهريات نموذجها المكتمل،

9

يتجه النظر إلى «السماء» أو إلى «الأرض» أو إلى «النفس» أو «القلب». الأول هو اتجاه المفارقة، والثاني اتجاه الحلول، والثالث هو الاتجاه الترنسندنتالي. الأول يقوم على الفصل، والثاني على الخلط، والثالث على التمييز. (1) بنية الوعي الأوروبي (البنية-المصدر)

10

لما صعب تمييز بنية الوعي الأوروبي عن تطوره، لأن البنية بنت التطور ومن صنعه، فإنه يمكن عرض البنية من داخل التطور، واعتبار المصادر على أنها البنية في مرحلتها الأولى اليونانية المسيحية أو القديمة والوسطى قبل تكشفها من جديد في العصور الحديثة؛ ومن ثم تكون البنية المصدر أو المصدر البنية، ونظرا لتراكم المعارف الحديثة، وبلوغ الوعي الأوروبي مركز الصدارة في العصور الحديثة، وهو ما عرف فيما بعد باسم «المركزية الأوروبية»، فقد تضخم التطور على حساب البنية-المصدر، وأصبح للخمسة قرون الأخيرة في الوعي الأوروبي الأولوية على الخمسة عشر قرنا الأولى.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٧٨