وبعد «الرد» و«التكوين» هناك أيضا «منهج الإيضاح». ودفعا للأشياء قليلا تحتوي «الأفكار» (3) على قسمة ثلاثية: الظاهريات، وعلم النفس، والأنطولوجيا. ويطابق هذا المخطط المخططين السابقين في «الأفكار» (1) و«الأفكار» (2). تطابق الظاهريات منطقة الشعور الخالص، ويطابق علم النفس منطقة عالم الموجودات الحية، وتطابق الأنطولوجيا عالم الأشياء.
ويكون الشيء والجسد والنفس ثلاث مناطق للواقع،
21
الشيء منطقة الطبيعة التي تظهر في الإدراك المادي وفي علم الطبيعة المادي، والجسد منطقة علم الجسد،
22
فإذا درس علم الجسد كشيء فإن علم النفس يدرسه كنفس، والظاهريات تدرسه كروح، كل منطقة من الواقع علم؛ الشيء للأنطولوجيا، والجسد لعلم النفس، والنفس للظاهريات.
ومهمة منهج الإيضاح إدراك العلاقة الصحيحة بين المناطق الثلاث المختلفة للواقع من ناحية والعلوم الخاصة بها داخل الحضارة، ويتحقق الإيضاح بالبحث عن البداهة الحدسية أو بالبحوث اللغوية من أجل وضع مناطق الواقع في مستوياتها الخاصة من العموم؛ التصور المنطقي الصوري والتصور المناطقي، والتصور المادي.
23
ويكون الإيضاح والتمييز أهم إجراءات المنهج، وينتهيان إلى أنواع المنطق الثلاثة؛ منطق القضايا الخالص، منطق الاستنتاج، ومنطق الحقيقة. الأول أشبه بالمنطق الرياضي، والثاني بالمنطق الاستنباطي، والثالث بالمنطق الاستقرائي.
24
أما «تأملات ديكارتية» فهو عمل يتماس مع العمل المنهجي «الأفكار»، والعمل الحضاري «الأزمة»، ويقدم عرضا بنيويا للظاهريات أكثر منه عرضا تاريخيا ربطا لها بالكوجيتو في العصور الحديثة. عرضت الظاهريات كمنهج مكتمل في ذاته وكحقيقة اكتملت في التاريخ، وتعلن بداية الوعي الأوروبي بالكوجيتو ونهايته فيها، تلخص «تأملات ديكارتية» بنية الذاتية، ويعني التوجه نحو الأنا الترنسندنتالي اكتشاف منطقة الشعور الخالص،
25
ويقدم ميدان الخبرة الترنسندنتالية تحليلا داخليا للشعور ذاته بين الحقيقة من جانب والواقع من جانب آخر،
26
وتطور التجربة الذاتية المشتركة بطريقة أخص عالم الموجودات الحية؛ أي العالم الإنساني.
27 (2) تطور الذاتية
28
يظهر تطور الذاتية أساسا في مجموع الأعمال المنطقية، وتتضمن «بحوث منطقية» حركة صاعدة من النزعة النفسية إلى المعطى الحي القصدي، ويشير «المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي» إلى معركة هابطة من الصوري إلى الترنسندنتالي، ومهمة «التجربة والحكم» تأسيس الحكم ابتداء من العالم ما قبل الحمل المنطقي؛ ومن ثم تكون الثلاثية المنطقية على النحو التالي:
ويبين هذا المخطط الصلة بين الأعمال المنطقية الثلاثة، للحركة الرأسية اتجاهان يدلان على الانتقال من الصوري إلى المادي، ومن المادي إلى الترنسندنتالي، وتؤدي إجراءات التمييز في الميدان الترنسندنتالي إلى بنية الشعور؛ أي إلى الذاتية الترنسندنتالية، وتبين الحركة الرأسية حضور الأنا الترنسندنتالي بين عالمين، عالم الصورة وعالم المادة، ولما كان المنهج الظاهرياتي منهجا ترنسندنتاليا فإنه ينزل الصورة الخالصة إلى الشعور ثم يصعد المادة إلى المضمون الحي، وتصبح الصورة الخالصة منطقة للشعور، تكون الأنطولوجيا الصورية، وتصبح المادة المضمون القصدي للشعور، وتخلق هذه الحركة المزدوجة النازلة والصاعدة وحدة الشعور في بنيته الصورية والمادية.
29 (أ) الحركة الصاعدة «بحوث منطقية»
30 «بحوث منطقية» كلها موجهة ضد الاتجاه الطبيعي في كل صوره ونظرياته، تظهر فيها الحركة الصاعدة من المادة نحو الصورة، ولما كانت الصورة قد أصبحت حالة في التحول من الصوري إلى الترنسندنتالي، تتقابل الحركتان، النازلة كنقطة تطبيق للمنهج الظاهرياتي في «الأفكار»، والصاعدة أثناء نشأة الظاهريات، وبالرغم من أن «بحوث منطقية» كعنوان لا تقترح أي قاعدة محددة، فإن بحث المضمون سرعان ما يعطي واحدة، فضد النزعات الطبيعية والنفسية والأنثروبولوجية التي تبقى على المادة دون الصورة، تأخذ الظاهريات الموقف العكسي، الإبقاء على الصورة المستقلة عن المادة.