ومن ثم يصعب التمييز في أعمال مؤسس الظاهريات بين الأعمال الحضارية بالمعنى الدقيق والأعمال الظاهراتية الخالصة؛ إذ يبدأ كل عمل بالحضارة وينتهي بالظاهريات حتى في ثلاثية «الأفكار» التي أعلن فيها عن اكتمال المنهج الظاهرياتي، والتمييز السابق بين الأعمال الظاهراتية في طريق الاكتمال والأعمال الظاهراتية أو الظاهريات المكتملة، والأعمال التي طبق فيها المنهج تمييز تعليمي خالص؛ فقد كانت مهمة «بحوث منطقية» تحويل المنطق إلى مثال أو معيار ضد النزعة النفسية كتيار حضاري، وكانت مهمة الجزء الثالث من «الأفكار» وضع الظاهريات بين علوم حضارية عديدة مثل علم النفس والأنطولوجيا، وغاية «المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي» هي إعادة بناء المنطق الصوري على مستوى ظاهرياتي؛ أي تحويل المسار الصوري إلى الداخل، وغاية «علم النفس الظاهرياتي» نفس الغاية، بيان انتهاء كل علم النفس كما ظهر في الحضارة في الظاهريات، وإذا رد التطور إلى البنية، و«الغاية» إلى «الفكرة»، ففي كل عمل في المنهج حضور «الفكرة» أكثر من حضور الغاية.
7
والبحث عن مخطط متسق يمكن أن يؤطر مجموع الأعمال لمؤسس الظاهريات يساعد على فهم مجموع هذه الأعمال، وبالرغم من صعوبة وجود مثل هذا المخطط لها ويكون دعامة لفهمها، فإن المحاولات السابقة للتمييز بين النظري والتطبيقي، والسكوني والحركي، والمنهجي والحضاري تقترح المخطط الآتي؛ المنهج الظاهرياتي نظرية في الذاتية وفي الذاتية المشتركة،
8
تمثل الذاتية بوجه عام النظري والسكوني والمنهجي، في حين تمثل الذاتية المشتركة العملي والحركي والحضاري، ولكل منهما بنية وتطور. وتمثل البنية أيضا النظري والسكوني والمنهجي، في حين يمثل التطور التطبيقي والحركي والحضاري.
9
ويبدو المنهج الظاهرياتي مباشرة في الذاتية كبنية وفي الذاتية المشتركة كتطور،
10
ويتجلى في الذاتية كتطور وفي الذاتية المشتركة كبنية،
11
ومن ثم يتكون المنهج الظاهرياتي على النحو الآتي:
ومن الصعب التمييز بين البنية والتطور، كل بنية تطور بنيوي، وكل تطور بنية تطورية في طريق والاكتمال، وتتحقق بنية الشعور في «الأفكار» تدريجيا، ويكشف تطور الوعي الأوروبي البنية العامة للذاتية المشتركة الترنسندنتالية، وإذا أمكن التمييز بسهولة بين البنية والتطور في الذاتية فإنهما لا يفترقان في الذاتية المشتركة.
| أولا: الذاتية (الوعي الفردي)1
(1) بنية الذاتية
2
اكتشاف بنية الذاتية هو الفرض الرئيسي لكل التحليلات الظاهراتية. وسواء في الذاتية أو في الذاتية المشتركة، البنية هي الغاية الرئيسية للتطور؛ مما يؤدي إلى القول بأن الظاهريات هي فلسفة بنية أكثر منها فلسفة تطور، وتظهر بنية الذاتية بعد تطبيق حركتي المنهج الظاهرياتي؛ الرد والتكوين، بالاستعانة بالحركة الثالثة؛ منهج الإيضاح، ظلت الظاهريات سكونية أكثر منها حركية؛ لأنها تهتم بالبنية أكثر من اهتمامها بالتطور،
3
ومن المعروف في الظاهريات أن الغاية أحد جوانب الفكرة. (أ) بنية الرد (الأفكار)
4
وبالرغم من عدم اتساق الجزء الأول من «الأفكار»، وتردد القسمة العقلية، تستطيع المقدمة العامة للظاهريات الخالصة أن تقدم مخططا لبنية الشعور؛
5
صورة الشعور ومضمون الشعور في بنية صورية مادية .
6
صورة الشعور من جانب العقل، ومضمون الشعور من جانب الواقع. العقل له ظاهرياته، والواقع له معناه المادي؛ أي العلاقة بالموضوع، وبين الاثنين هناك مستويات للعموم، ومنطقة الشعور الخالص ممكنة بعد «الرد» لوضع الواقع الطبيعي «بين قوسين» وتكوين الشعور، ولا يكون ذلك ممكنا إلا بعد تمييز سابق بين علوم الوقائع وعلوم الماهيات.
7
والشعور نفسه منطقة في مركز منطقتين أخريين؛ منطقة الموجودات الحية (المتحركة) المكونة من الآخر، والذي يشارك في تحقيق الخبرة الذاتية المشتركة، ومنطقة الأشياء التي تكون العالم الطبيعي. وهذه المناطق الثلاثة ليست مستقلة بعضها عن البعض، والحقيقة هناك منطقة واحدة توجد في الواقع هي منطقة الشعور الخالص، والمنطقتان الأخريان موجودتان بالتضايف مع الشعور؛ فالآخر، أي العالم الإنساني، في علاقة تضايف مع الشعور الخالص. والعالم الطبيعي هو العالم الذي يوجد فيه الشعور كوجود في العالم، في الواقع لا يوجد إلا الشعور متسعا نحو العالمين الآخرين، العالم الإنساني والعالم الطبيعي، ويوجدان كعالمين وجدانيين داخل الشعور.