تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

ليست الظاهريات علما تم اكتشافه لأول وهلة، بل هي نتيجة لبحث طويل ينتهي باكتمالها كعلم مستقل للرياضيات والمنطق وعلم النفس بل والفلسفة في التاريخ التي تكون مصادرها الأولى، الظاهريات نفسها بعد اكتمالها تتطور من جديد نحو ميادين التطبيق، ثم تتطور بعد ذلك نحو البحوث الأخلاقية والاجتماعية والدينية كما تعبر عن ذلك المخطوطات؛ فالمقاصد العميقة للظاهريات توجد في النهاية؛ أي في البحوث الأخلاقية الدينية،

35

وفهم النهاية تلقي على نحو تراجعي ضوءا كثيرا على التطور السابق؛ فالفهم الاستباقي للبداية كبحث خالص يساعد على معرفة وحدة القصد في الظاهريات، والتفسير الزماني يمهد سلفا للتفسير البنيوي، فهم البداية يؤدي إلى النهاية في التطور التقدمي، وفهم النهاية يؤدي إلى البداية في الفهم التراجعي، والظاهريات هي هذا المنهج التقدمي التراجعي لتاريخ الوعي الأوروبي.

36

تفسر الظاهريات المكتملة في النهاية الظاهريات الناشئة في البداية، فهم النهاية بالبداية، وفهم البداية بالنهاية، كما هو الحال في تسلسل الأنبياء بين آدم والمسيح أو بين إبراهيم ومحمد، لقد تجلت الظاهريات أولا بأول، فلا تحتوي الأعمال الأولى على ظاهريات ضمنية بل على العكس، يمكن تفسيرها عن طريق فهم الأعمال الأخيرة، الظاهريات في مرحلتها الأخيرة تفسر مرحلتها الأولى، المنهج التراجعي هو وحده القادر على تفسير الظاهريات، والرؤية التقدمية وحدها تستطيع أن تعطيها معناها الدقيق، وفهم النهاية يساعد أكثر على فهم كل الوسائل المستخدمة للوصول إلى هذه النهاية. (12) من التاريخ إلى البنية، ومن البنية إلى التاريخ

37

الظاهريات تحقق للمثالية الألمانية واكتمال لها، وهي أيضا اكتمال للحقيقة وتجل نهائي لها، والتي طالما بحث عنها الوعي الأوروبي منذ العصور الحديثة، تعتبر نفسها علما مستقلا بذاته وعن التاريخ، وقد لعب التاريخ دورا في اكتمال الحقيقة في الظاهريات؛ ومن ثم يترك التفسير الزماني مكانه إلى التفسير البنيوي، المهم إذن هو عرض المنهج الظاهرياتي كحقيقة مكتملة بوحدة قصد كل عمل أو بوحدة قصد مجموع الأعمال، والمهم أيضا إيجاد تأويل للظاهريات طبقا لهذه القواعد. البنية بلا تاريخ فارغة، والتاريخ بلا نية أعمى، والتطور بلا اكتمال نزعة تاريخية، والاكتمال بلا تطور نزعة صورية. الحقيقة المطلقة تكتمل في التاريخ، والتاريخ تحقق لها. لا فرق إذن بين العقل والتاريخ؛ ففي كليهما تتكشف الحقيقة وتكتمل.

| الباب الثاني: المنهج الظاهرياتي

محاولات في الفهم، والتكوين، والتأويل

| الفصل الأول: فهم الظاهريات1

كانت الدراسة التي تمت حتى الآن حول المنهج الظاهرياتي نقدية خالصة، ولم تتعد كشف حساب حالته الراهنة، وهذه الدراسة محاولة لفهم الظاهريات عن طريق تقديم مجموع مؤسسها في مخطط متسق،

2

وبعد ذلك يتم استنباط روح هذا المخطط من أجل تكوين منهج ظاهرياتي صالح للتطبيق،

3

وبعد ذلك يتم تأويل الظاهريات في العمق، وهو التأويل الديني والحضاري.

4

ومن الصعب للغاية إيجاد مخطط متسق لمجموع أعمال مؤسس الظاهريات نظرا لاستحالة التمييز بين الأعمال التي تعرض فيها الظاهريات كنظرية والأعمال الأخرى التي طبقت فيها الظاهريات في عدة ميادين؛

5

فالأعمال النظرية تكوين مكتمل لعدة نقاط تطبيقية خاصة،

6

وعادة ما تنتهي الأعمال التطبيقية بإعلان الظاهريات كحقيقة مكتملة في التاريخ؛ ومن ثم فإن تقسيم مجموع أعمال الظاهريات إلى أعمال نظرية وأخرى تطبيقية تقسيم غير ملائم؛ لأن النظرية مجموع تطبيقي، والتطبيق هو النظرية مكتملة.

وتقسيم أعمال مؤسس الظاهريات إلى أعمال منهجية وأخرى حضارية تقسيم أيضا ممكن؛ فقد عرض المنهج الظاهرياتي في ثلاثية «الأفكار»

Ideen ، ثم طبقت في «الأزمة». وعيب هذا المخطط هو أن الأعمال المنهجية تتضمن الأفكار الموجهة للمنهج الظاهرياتي، وأيضا غائية حالة في التاريخ عن طريق الإحالات إلى المذاهب والأنساق الفلسفية الموجودة سلفا في التاريخ.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٧٣