30
والظاهريات هي آخر مكسب للوعي الأوروبي، وليست مستقلة عن المكاسب المعاصرة الأخرى التي لها نفس رسالة الظاهريات؛ فالمنهج المقارن ضروري من أجل تأطير الظاهريات في التاريخ المعاصر، وانفتاحها على كل العلوم المشابهة، وهو ما يفيد الظاهريات خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات، وأثقلت اللغة المستعملة كأداة للتعبير بالميراث المنطقي الرياضي، وهو ما كان غريبا على اللغة الفلسفية، وفي مقابل ذلك لم يكن للفلسفات المعاصرة هذا القلق في اللغة الاصطلاحية بالرغم من أنها كانت تعبر عن نفس حدوس الظاهريات،
31
وما تجده الظاهريات صعبا في التعبير نجده فلسفة أخرى مشابهة أسهل في التعبير وبلغة أكثر سهولة ويسرا، وتحليل الزمان كوعي داخلي أو ديمومة، وتحليل بواعث الخبرة الذاتية المشتركة وتقدم الوعي، وتحليل المعطى الحي أو الخبرة الذاتية تتبع نفس المتطلبات ضد الاتجاهات المشتركة المعارضة، بالرغم من الاختلافات الجزئية بين الجوانب المتعددة للظواهر موضوع التحليل.
وتستطيع الفلسفات المعاصرة أن تساعد على فهم الظاهريات؛ لأنها استطاعت أن تتجنب إلى حد ما عيوب التعبير في الظاهريات؛ فالحدس في فلسفة الحدس أوضح من الحدس في الظاهريات، والخبرة في البرجماتية أكثر وضوحا من الخبرة في الظاهريات، كما تستطيع الظاهريات أن تساعد على فهم أفضل للفلسفات المعاصرة تستطيع أن تحول فلسفة الحدس أو فلسفة الخبرة إلى منهج، وتستطيع أن تخلصها من بقايا النزعات النفسية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية؛ فالفهم المتبادل بين الظاهريات والفلسفات المعاصرة يساعد على فهم كل منهما بالآخر.
32 (10) من الحاجة إلى العمل، ومن العمل إلى الحاجة
33
ليس من الضروري أن يكون لكل كلمة ولكل عبارة معنى في النص الظاهرياتي؛ فالمعنى لا يخرج قسرا من النص بل إنه يعطي نفسه تلقائيا إلى شعور الظاهرياتي؛ ويعتمد فهم معنى النص دائما على حاجة المفسر وعلى النص الذي يستقبل فيه شعور الظاهرياتي انفعالا خالصا؛ فيتم التوقف عنده لتحليل انفعاله، ويكون هو معنى النص؛ فالمعنى علاقة متبادلة بين الشعور والنص، بين الذات والموضوع، بين الشعاع الخارج من الشعور إلى النص والشعاع المقابل الداخل من النص إلى الشعور.
يتم الفهم إذن طبقا لما يريد الشعور فهمه، الفهم مشروط بحاجات الشعور المفسر، لا يعطي النص معنى قسرا، بل إن النص نفسه هو الذي يرسب معناه من خلال قراءته، والشرح أسوأ فهم لأنه يريد طوعا أو قسرا إعطاء معنى لنص دون أن تدعو حاجة إلى ذلك.
ولا يأتي فهم لمعنى عبارة على نحو خارجي بل على نحو داخلي؛ فالفهم مشروط بالحاجة لفهم النص، يسد حاجة في الشعور المولع بالفهم رغبة في المعرفة، فإذا ما كان الشعور في مواجهة نص دون أي توجه مسبق تكون النتيجة مجرد تكرار، وهذا لا يمنع على الإطلاق من ضرورة وجود شعور محايد أمام النص، وأقل قدرة من اليقظة ضروري للفهم، ليس الشعور فارغا تماما أمام النص، إن مجرد الاهتمام بالنص الظاهرياتي يكفي لهذا الحد الأدنى، ويكفي أن يغوص الباحث في أعماق ذاته كي يرى الأشياء نفسها التي يعبر النص عنها، وفي التطبيق ما يهم هو معرفة أين يوجد الخلط في أي علم إنساني، ثم البحث عن التمييز الجوهري في الظاهريات الذي يمكنه توضيح هذا الخلط، والخلط بين علوم الوقائع وعلوم الماهيات خلط شائع في كل العلوم، علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم التاريخ، ويسود أيضا العلوم الدينية خاصة اللاهوت المتحدث الرسمي باسمها جميعا، وفي اللاهوت العقائدي هناك أيضا خلط بين التاريخ والعقيدة. وتقدم الظاهريات تمييزا بين الواقع والماهية، بين علم الوقائع وعلم الماهيات. العقيدة هي الماهية، والتاريخ هو الوقائع. من الضروري إذن وضع التاريخ كعلم وقائع بين قوسين حتى لا تبقى إلا العقائد كعلم للماهيات، تجد الظاهريات إذن تفسيرها في تطبيقها طبقا للحاجات. (11) من النهاية إلى البداية، ومن البداية إلى النهاية