الظاهريات مليئة بعدد ضخم من المفاهيم والتصورات، فكيف يمكن تذكرها؟ يستحيل إبقاؤها في الذهن بكل دقيقاتها واختلافاتها المتشعبة، مع ذلك يسهل ردها إلى مفاهيم رئيسية، وتصورات مفاتيح، فترد التقسيمات الفرعية إلى التقسيمات الرئيسية، وترد التقسيمات إلى الأشياء المقسمة، والأشياء المقسمة إلى مصادرها، ودون ذلك، تظل الظاهريات أفكارا متناثرة، من الصعب تجميعها في منهج عام. (8) من التركيب إلى التحليل، ومن التحليل إلى التركيب
23
هذه القاعدة هي آخر صيغة لقاعدة من الكل إلى الأجزاء، ومن الأجزاء إلى الكل؛ إذ لا يمكن تحليل الجوانب المختلفة للظاهريات دون الحفاظ على اكتمال العلم، وإلا تشعبت الظاهريات إلى رياضيات ومنطق وعلم نفس وعلم اجتماع وفلسفة ... إلخ. إن مجموع العلم هو الذي يسمح بفهمه في أحد جوانبه، كما أن التحليل يسمح ببناء العلم في كل جوانبه، وإن تحليل الرياضيات والمنطق وعلم النفس والفلسفة داخل الظاهريات يسمح بوضع قواعد المنهج الظاهرياتي المتكامل.
وإذا كانت الظاهريات استكشافا بطيئا وشاقا لمضامين الشعور والتعبير عنها بأسلوب دقيق فسيفسائي، فإن فهمها يتطلب الاتجاه المعاكس، وهو تجاوز الأسلوب لإدراك الشيء إدراكا مباشرا ثم التعبير عنه، وبتعبير آخر لا تتطلب قراءة الظاهريات التصاق الظاهرياتي شبه الكامل لدرجة التماهي بينه وبين النص، بل على العكس تتطلب بعض المسافة من أجل رؤية النص عن بعد، وتتبع النص كله عبارة عبارة، ولفظا لفظا، وحرفا حرفا، ونقطة نقطة، وفصلة فصلة وكأنه نص مقدس تجنبا للخطأ في الفهم والتأويل، نوع من حفريات الفكر الذي تريد الظاهريات الهرب منه،
24
تتطلب قراءة الظاهريات تطبيق منهجها الخاص؛ أي إدراك حدسي لمقاصدها دون المرور بإجراءات العقل والتفكيك.
المنهج الظاهرياتي منهج ينكشف تدريجيا خطوة خطوة، لا يعطى مسبقا مرة واحدة وإلى الأبد، بل يتشكل طبقا لمدى استكشاف ميدان الشعور،
25
وهو ما يدل عليه أسلوب التقطيع والتشريح،
26
فكل فصل أو قطع أو اجتزاء داخل التحليل يخرج جانبا من المنهج عن المنهج الكلي، ويسقط رؤية ساكنة للعقل على ديمومة حية، يفهم المنهج الظاهرياتي إذن بغايته وهدفه، وببواعثه وبقصديته،
27
المنهج الظاهرياتي تشييد رؤية كلية للعالم، وليست بحثا خاصا في ميدان محدد، صحيح من اللازم وجود مواد للبحث، ونقاط تطبيق، والدخول في التاريخ طبقا لمتطلبات التعليم الأكاديمي، ولكن المنهج الظاهرياتي دائما هو رؤية للعالم مستقلة عن مواد البحث ونقاط التطبيق وعن المحاضرات الجامعية. (9) من الأعمال المعاصرة إلى أعمال الظاهريات، ومن أعمال الظاهريات إلى الأعمال المعاصرة
28
والظاهريات، كما تم تحليلها من قبل، هي الحركة الفلسفية المعاصرة الأكثر إحكاما التي استطاعت أن تقدم شيئا إيجابيا، ومع ذلك، محاولاتها ومشاريعها وآمالها ليست حكرا عليها؛ فهي حركة فلسفية مثل باقي الحركات التي حاولت نفس الشيء مع نفس الدرجة من النجاح، أكثر أو أقل؛ فهناك أوثان مشتركة يتم الصراع ضدها: الصورية نتيجة المثالية الترنسندنتالية، والتجريبية ميراث الاتجاه الحسي القديم، والنزعة النفسية، وخلط العصر الحاضر، وفي مواجهة هؤلاء الأعداد نشأت حركات مشابهة في مناطق مختلفة في الحضارة الأوروبية لنفس الأسباب، ولمناهضة نفس العيوب، ولها نفس الأغراض.
29
وكان للظاهريات نجاح أكبر من الحركات الأخرى؛ لأن مصادرها ممتدة في مختلف مناطق الحضارة، تنشأ من المثالية الترنسندنتالية، النقدية أو المطلقة، وهي اكتمال لها، كما أنها مرتبطة بالكوجيتو في العصر الحديث، والظاهريات تحقيق لمشروعها من «الكوجيتو» إلى «الكوجيتوتوم»، من «الأنا أفكر» إلى «الأنا المفكر فيه»، كما أنها تبدأ بالتجربة كما أرادت النزعة التجريبية القديمة.