تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

الوحي قصد واحد إلا أن طرق تعبيره ووسائله في المخاطبة تختلف من ثقافة إلى ثقافة، ومن عصر إلى عصر.

هذه القاعدة، من الروح إلى الحرف، ومن الحرف إلى الروح، هي قاعدة انتقالية بين القواعد السابقة الخاصة باللفظ والمعنى والشيء والقواعد التالية الخاصة بالكل والجزء، الحرف هو اللفظ، والروح هي المعنى الذي يحيل إلى الشيء، الحرف هو الجزء، والروح هي الكل؛ فالقواعد تتداخل فيما بينها، وربما ترد جميعا إلى قاعدة واحدة، الإدراك بالحدس الكلي وبالروح السابق على الأجزاء والحروف. (5) من الكل إلى الأجزاء، ومن الأجزاء إلى الكل

16

كانت هذه الرؤية التدريجية للنص الظاهرياتي من اللفظ حتى مجموع الأعمال كلها، ومن مجموع الأعمال كلها حتى اللفظ، ضرورية من أجل وضع فكرة موجهة رئيسية للتفسير، الكل ينير الأجزاء، والأجزاء تشير إلى الكل،

17

والواقع أن كل عبارة في الظاهريات ليس لها أي دلالة إلا في مجموع أعمال الظاهريات، والتقسيم التدريجي للنص الظاهرياتي كان يهدف إلى وضع سلم للقيمة الكمية؛ أي للمقدار، حيث يظهر الكل والأجزاء على مستويات عديدة، اللفظ جزء بالنسبة إلى العبارة ككل، والعبارة جزء داخل الفقرة ككل، والفقرة جزء داخل مجموعة الفقرات أو الشريحة ككل ... إلخ. يعطي الكل اتجاه الحركة للأجزاء، وتعطي الأجزاء الحوامل الحسية لاتجاه حركة المعنى، لا تستطيع الأجزاء أن تكون الكل، والكل يظل فارغا بلا أجزاء، الجزء بدون الكل أعمى، والكل بدون الجزء فارغ.

وتفسير الظاهريات بناء على هذه الفكرة الموجهة ليس غريبا عليها؛ إذ إن لديها نظرية مشابهة حول علاقة الكل بالأجزاء، وهي نظرية في سياق منطقي أكثر منها في سياق تأويلي،

18

تمت صياغتها للتأكيد على استقلال الموضوعات المنطقية، ومع ذلك تساهم نظرية الكل والأجزاء إلى حد كبير في صياغة قواعد لتفسير الظاهريات، وتمنع من تشتتها في نقاط متشعبة كما حدث في الدراسات الثانوية. (6) من المركز إلى المحيط، ومن المحيط إلى المركز

19

النص الظاهرياتي نص متضخم وثري، والثراء الزائد يؤدي إلى التشتت، ومع ذلك فإن له مركز، وتركيز الانتباه على المركز يمنع من التشتت، ولفهم الظاهريات ينتقل الذهن من المركز إلى المحيطة، ومن المحيط إلى المركز، وفي كل مرة يضيع الظاهرياتي في شتات المحيط فإنه سرعان ما يعود إلى وحدة المركز، يجمع الشتات، ويوحد القصد. وفي كل مرة يشعر الظاهرياتي بضيق المركز فإنه سرعان ما يعود إلى رحابة المحيط، وهي نفس القواعد السابقة ولكن بصورة أخرى؛ فالمركز هو الكل، والمحيط الأجزاء؛ المركز هو الروح، والمحيط الحرف؛ المركز هو المعنى، والمحيط اللفظ.

ومن أجل صياغة منهج ظاهرياتي تظهر القاعدتان الرد والتكوين كقاعدتين رئيسيتين في المنهج، هذا مركز أول. وبعد تطبيق هاتين القاعدتين للمنهج تظهر القصدية كبنية عامة للشعور، وهذا مركز ثان. وللقصدية بناؤها الخاص، صورة الشعور ومضمون الشعور، وهذا مركز ثالث. وأخيرا فإن لصورة الشعور ومضمون الشعور بنية مشتركة على التبادل في التحليل الصوري المادي،

20

وهذا مركز رابع يقترب أكثر فأكثر من المحيط، والذي عليه ينتشر عديد من المفاهيم والتصورات الأخرى. (7) من الوحدة إلى الكثرة، ومن الكثرة إلى الوحدة

21

وهذه القاعدة مثل السابقة تريد إرجاع الظاهريات إلى وحدتها الجوهرية ابتداء من الكلمات والمفاتيح أو المفاهيم الأساسية؛ فالواقع أنه بالرغم من كثرة المفاهيم في الظاهريات فإنها مرتبطة فيما بينها بوحدة القصد، يقال دائما نفس الشيء ولكن بطرق متعددة.

22

لذلك لا ينخدع أحد بالمصطلحات والآليات الظاهراتية، فيقال نفس الشيء بطرق متعددة، مرة بلغة الرياضيات، وأخرى بلغة المنطق، وثالثة بلغة علم النفس، ورابعة بلغة الفلسفة ... إلخ. لا يتم التوقف إذن عند اللغة وأساليب التعبير وألفاظه، كانت بضاعة العصر، كما أن الجهاز المفاهيمي في الظاهريات كان عادة العصر؛ لذلك لا يشير تعدد وسائل التعبير إلى تعدد أشياء مقابلة، وهذا يفسر ظاهر التكرار في مجموع النص الظاهرياتي؛ إذ تتطلب كثرة المصطلحات استعمالها في مواطن عديدة.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٧٠