تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

والفلسفة في العصور الحديثة هي تحول لبعض جوانب الدين مع بحث طبيعي عن الحقيقة، ويتحد الموضوع المدرسي والمنهج اليوناني والقصدية في علم النفس الوصفي محاولة للإصلاح ضد علم النفس التجريبي نتيجة علم النفس العقلاني الخارج من الفلسفة، ويمثل تقدما نحو البحث عن المستوى الإنساني بعد رده إما إلى الصوري أو إلى المادي. وظيفة القصدية في العصور الحديثة ليست وظيفتها في الفلسفة المدرسية،

18

تمثل القصدية في الظاهريات خطوة إلى الأمام نحو المستوى الصحيح للظاهرة الإنسانية بعد التخلص من النزعة النفسية في القصدية في علم النفس الوصفي.

في الدراسات المقارنة محاولات للجمع بين بعض جوانب الظاهريات والنظريات الفلسفية السابقة، على نقيض الظاهريات نفسها التي تعتبر نفسها المجموع المكتمل للقصدية الغائية للتاريخ، وخطورة المركب هو تقييم نظرية ينتسب إليها الباحث على حساب نظرية أخرى يعارضها، فعند الباحث اللاهوتي بطبيعة الحال تسود القصدية المدرسية ولا شك، وعند الباحث عالم النفس تكون الأولوية للقصدية في علم النفس الوصفي، وللظاهرياتي القصدية في الظاهريات الترنسندنتالية وحدة كلية في ذاتها، يستبعد كل عنصر يدخل فيه أو يخرج منه في أي محاولة للتركيب.

19

وفي الدراسات المقارنة تمت مقارنة الظاهريات المختلطة بتطوراتها اللاحقة في الفلسفة الوجودية مع المادية الجدلية، ومع أن المقارنة تقوم على منطق محكم للموازاة إلا أنها أخذت المادية الجدلية كقناع ترى من خلاله الظاهريات،

20

ومن شروط المقارنة الحياد، فلا ينتسب المقارن إلى أي نظرية مسبقة بحيث لا تقوم المقارنة على الهوى والميل الشخصي، يستطيع أن ينتسب إلى نظرية فلسفية دون أن تؤثر عقائده الخاصة على رؤيته للأشياء، ويمكن وجود شعور محايد خال من أي افتراض مسبق. ولم تكن كذلك حال كثير من الدراسات المقارنة، كانت المقارنة بديلا عن اختيار تم مسبقا، وكانت الظاهريات المعروضة هي ظاهريات الشراح،

21

اختلطت بتطوراتها اللاحقة وكأن نقد الفلسفة الوجودية خاصة أسطورة العدم نقد للظاهريات.

22

| سابعا: الانتقادات الموجهة إلى الظاهريات1

كان يمكن أن تؤدي الانتقادات التي وجهت إلى الظاهريات إلى تطورها لو كانت قد انتهت إلى أقصى نتائجها، مثلا أن الظاهريات تريد أن تصبح فلسفة دون افتراضات مسبقة، وصحيح هذا ممكن. الفلسفة كعلم محكم ليست افتراضا مسبقا، بل هو تمن ومثل أعلى، ومطلب مشروع.

2

الفلسفة بداهة أولى لا تحتاج إلى كل هذه التحليلات والافتراضات الخيالية المناقضة، والتوحيد بين الفلسفة والعلم المطلق ليس أيضا افتراضا مسبقا، وإن لم تكن الفلسفة كذلك فماذا تكون؟ واستقلال العقل ليس على الإطلاق افتراضا مسبقا، بل هو مكسب تم الحصول عليه بعد معركة قاسية منذ يقظة الوعي الأوروبي في بداية العصور الحديثة، وقد أعلن العقل استقلاله ضد القطعية في اللاهوت والميتافيزيقا وضد الشك في العلوم المادية، ودخل في نسيج الوجود الإنساني؛ فالظاهريات تقريبا وللمرة الأولى في تاريخ الفلسفة الغربية فلسفة دون افتراضات مسبقة، وتستطيع ظاهريات الدين مرة واحدة وإلى الأبد رفع الشك واضعة معطى الوحي كقبلي تعتمد عليه دون افتراض مسبق.

وتتضمن الظاهريات في نفسها عوامل موضوعيتها، وذلك عن طريق القصدية، التركيز على الشعور الذي يخلق موضوعه، الحقيقة في بداهتها والواقع تحققه الإمكانية نسيج الشعور، ولا تعني الموضوعية أكثر من الوعي بها.

3

ولم تهمل الظاهريات الترنسندنتالية تماما مشكلة التاريخ، ويبين نقد فلسفة تصورات العالم والنزعة التاريخية الأهمية التي توليها الظاهريات للتاريخ، بل يمكن اعتبار الظاهريات باعتبارها فلسفة للحضارة أساسا فلسفة في التاريخ، صحيح أن التاريخ محل النماذج الحية للتحقق التدريجي للحقيقة، ومع ذلك انتهى دور التاريخ، ينقص فقط النظر إلى غائيته لرؤية المراحل المختلفة لتجلي الحقيقة التي اكتملت من قبل، ويحل منهج التحليل النظري للخبرات اليومية محل منهج البحث عن الحقيقة عبر التاريخ،

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٦٢