6
وتتجاوز المقارنة بين الظاهريات والنظريات الفلسفية الأخرى إطار ملاحظة حول هوسرل مؤسس الظاهريات وهيجل مؤسس المثالية المطلقة؛
7
إذ تتبع الدراسات المقارنة منطق الموازاة، ومنهج الأثر والتأثر شيء والمقارنة بين نمطين مثاليين شيء آخر، يكفي وضع الظاهريات في ثقافاتها حتى تتجه كل دراسة مقارنة حول اكتمال الفلسفة التي بدأتها العصور الحديثة في الظاهريات، يتكامل «الكوجيتو» مع «الكوجيتاتوم»، الشعور مع مضمون الشعور، المثالية النقدية والمثالية المطلقة في المثالية الترنسندنتالية؛ أي في الظاهريات.
ولا يكفي في الدراسات المقارنة القيام بموازاة بين العلوم الفلسفية داخل كل منطقة حضارية؛
8
فالمقارنة بين الظاهريات وفلسفة الكوجيتو أكثر خصوبة من المقارنة بين الظاهريات والمثالية النقدية أو المثالية المطلقة، وكذلك المقارنة بين الظاهريات وفلسفة الحدس أكثر فائدة من المقارنة بين الظاهريات وفلسفة تصورات العالم! الظاهريات حاجة في كل منطقة حضارية،
9
ومحل الالتقاء بين هاتين الحاجتين هو موضوع خصب للمقارنة.
10
في كل منطقة حضارية يظهر نفس المشروع، الظاهريات الضمنية. يقع أحيانا في الصورية، وأحيانا أخرى في المادية، وأحيانا ثالثة في النزعة النفسية، في كل منطقة حضارية توجد هذه الاتجاهات الثلاثة، واستمرت نظرية العلم منذ المثالية النقدية مرورا بالمثالية المطلقة حتى المثالية الترنسندنتالية.
11
والانتباه ضروري في الدراسات المقارنة بين مستويات الأشياء المقارنة، مثلا ليست مشكلة اللاشعور في نفس مستوى ولا في نفس الأهمية في الظاهريات والمثالية المطلقة وفي التحليل النفسي.
12
اللاشعور في الظاهريات هو الخبرة الحية الضمنية في المثالية المطلقة، وإمكانية دفينة في التصور وفي علم النفس الوقائع الاجتماعية المركبة. صحيح أن التفكير في أشكال اللاشعور لا غبار عليه مع الاستفادة بما تقدمه هذه العلوم الثلاثة وربما أكثر كمادة للتفكير، ولكن ما لا يجوز هو تسمية ذلك أشكال الظاهريات، وبوجه أخص الظاهريات الترنسندنتالية.
وفي مقارنة الظاهريات مع باقي العلوم الفلسفية، سواء داخل المنطقة الحضارية التي نشأت فيها الظاهريات أو المناطق الحضارية الأخرى، يركز الانتباه على اكتمال المثالية الألمانية، وبالرغم من أن الظاهريات تبدأ من فلسفة الكوجيتو، فإنها تصحح وتكمل المثالية النقدية والمثالية المطلقة، فقد اكتمل «الكوجيتو» في «الكوجيتاتوم»، عقل الشعور في مضمون الشعور، لم يعد الأنا علبة فارغة للمقولات. وتقدم الحقيقة قصدية، وليس عملية تاريخية عالمية، وبتعبير آخر كل مقارنة تأخذ بعين الاعتبار فكرة البداية والنهاية للوعي الأوروبي ومد التاريخ بينهما.
13
وفي الدراسات المقارنة يوجد تمييز ضروري بين المراحل المختلفة لتطور الحضارة، يمكن مقارنة الظاهريات مع الفلسفة اليونانية في موضوع «اللوجوس»، ومع الفلسفة المدرسية في موضوع القصد أو مع الفلسفة الحديثة في موضوع «الكوجيتو»، وفي كل مرحلة وضع الفلسفة ليس هو نفس الوضع، في الفلسفة اليونانية كان هناك استقلال للفلسفة بالنسبة للدين والعلم وكل تجليات «الروح» في الحضارة، وكانت «الفكرة» تقوم بدور الماهية؛
14
ومن ثم يمكن مقارنة «اللوجوس» في الفلسفة اليونانية و«الماهية» في الظاهريات لأن موضوعي المقارنة مستقلان، وهما موضوعان مثاليان.
وفي الفلسفة المدرسية لم تكن الفلسفة مستقلة ولا قائمة بذاتها، كانت ملحقة بالدين،
15
ومهما كانت أهم الاكتشافات قد تمت في الفلسفة، مثل التوتر، فإنها ظلت هامشية؛ لأن الغاية لم تكن البحث عن الحقيقة الفلسفية بل تبرير الحقائق الدينية؛
16
ومن ثم فإن المقارنة بين التوتر المدرسي والقصدية في الظاهريات لا تكون على نفس المستوى، الأول ليس موضوعا مستقلا في حين أن الثاني موضوع مستقل.