تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

وما تقدمه الظاهريات من فائدة للعلم مستقلة عما تقدمه لشخص بعينه،

54

وأهمية الظاهريات التاريخية هي الإلغاء الكلي للتاريخ الذي اكتمل فيها، وأهميتها المنهجية هي صياغة منهج يكون هو تحقيق لمشروع الوعي الأوروبي منذ عصر النهضة، وأهميتها الإنسانية في الأمل الذي تعطيه للوعي الأوروبي وهو في نهايته.

وقد استخدم اسم «هوسرل» مرات عديدة كصفة «هوسرلي»، ولحسن الحظ لم يتم استخدامه حتى الآن اسم «الهوسرلية»، وربما يأتي ذلك لسوء الحظ عن قريب، صحيح أن هوسرل هو مؤسس الظاهريات ولكنها علم مستقل عنه، هي بحث دائم من جماعة بحثية مقاربة للحقيقة بالعودة إلى الأشياء ذاتها، ولا تنتمي الحقيقة ولا الأشياء ذاتها إلى «هوسرل»، فقد جرت العادة في الوعي الأوروبي ارتباط الحقيقة باسم مكتشفها، والفلسفة باسم واضعها؛ الديكارتية، الكانطية، الهيجلية، البرجسونية ... إلخ. ولا يرتبط العلم باسم مؤسسه فيقال كبلر وليس الكبلرية، ونيوتن وليس النيوتنية، وجاليليو وليس الجاليلية. بل إن الدين أيضا ارتبط باسم نبيه مثل: المسيحية، والبوذية، والكونفوشوسية؛ وكأن الشخص هو الذي يخترع الفلسفة أو الدين، ولا يكتشف حقيقة معطاة سلفا مستقلة عن الشخص الذي أعلنها باستثناء الإسلام الذي لا يسمى «محمدية» إلا عند بعض المستشرقين، ومن بين مزايا الظاهريات أنها قضت على التشخيص المستمر للفلسفة، وهذا ما يوضح غياب الإحالة الدائمة للأعمال التي تستلهمها الظاهريات، وتثبت الظاهريات نفسها موضوعا مستقلا عن كل مضمون مادي، والشخص أحد جوانبه،

55

ومع ذلك تعرض كل الظاهريات أحيانا تحت صفة «هوسرلي» اشتقاقا من اسم مؤسسها «هوسرل».

56

| ثالثا: التكوين الجزئي للمنهج1

وتظل الظاهريات، في الدراسات الثانوية، أيضا نظرية عصية على التطبيق مع أنها تبين أثناء تكوينها وبعد تطبيقها في نقاط معينة المنطق والفلسفة والحضارة طابعها العملي، وتبين الظاهريات المكتملة أيضا أنها أصبحت منهجا وليس مجرد فلسفة، في الدراسات الثانوية لم تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار؛ إذ يتردد عرض الظاهريات بين النظريات الرياضية والمنطقية والنفسية والفلسفية دون أن ينخرط الكل في منهج تطبيقي، فقد تحول المنهج إلى مذهب، والقاعدة إلى نظرية، والظاهريات إلى فلسفة.

2

ومع ذلك من الصعب في الظاهريات النظرية، وإن كان ضروريا، التمييز بين ميدان الأنا الخالص والتجربة المشتركة من ناحية، وقاعدتي المنهج، الرد والتكوين، من ناحية أخرى؛ فالمنهج الظاهرياتي في داخل الشعور الذي هو في عالم الآخرين «المحيط الإنساني» وعالم الأشياء، البيئة الطبيعية، ومن أجل صياغة منهج ظاهرياتي من الضروري أولا إيجاد بنية الشعور في العالم، والذي يمكن تصويره بثلاث دوائر متداخلة تشارك في مركز واحد، وتضم الأنا الخالص كدائرة صغرى، والمحيط الإنساني كدائرة وسطى إلى البيئة الطبيعية كدائرة كبرى، لا يكفي إذن تحليل الخبرة المشتركة دون وضعها في بدايتها الأولى في الأنا الخالص أي في الذاتية،

3

وبعد وصف بناء الشعور يصبح تأسيس المنهج ممكنا، ولا يكفي تحليل «الرد» دون «التكوين».

4

ولا يبرر التمييز بين مستويات عديدة في «الرد» نسيان «التكوين»، وهو الغاية النهائية من الرد ذاته.

وأحيانا تعرض الظاهريات دون أي منهج أو باستعمال منهج مناقض لها، يبغي العرض الأول الحياد ولكن ينتهي إلى التكرار بلا دلالة، والثاني يبغى الأصالة والتقدم العلمي ولكنه ينتهي إلى القضاء على جوهر الظاهريات، وأحيانا يكون عرض الظاهريات خليطا من النظرية والمنهج. «الأنا الخالص» نظرية في حين أن «الرد» منهج، وهناك خلط آخر أقل شيوعا بين الظاهريات في طريق التكوين والظاهريات المكتملة؛ فالتصورات الرياضية والمنطقية والنفسية تنتمي إلى الظاهريات في سبيل التكوين، في حين أن القصدية تنتمي إلى الظاهريات المكتملة، وهناك خلط ثالث بين النفي والإثبات الظاهرياتي؛ النفي موجه ضد الشك النفساني، والإثبات للمثالية الترنسندنتالية.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٥٥