تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وهناك خلط رابع بين الظاهريات الترنسندنتالية وتطورها إلى ظاهريات أنطولوجية، ومع أن الظاهريات هي أساس الأنطولوجيا فإنها تظل مستقلة عن الاتجاهات الأنطولوجية الحالية، وهناك خلط خامس بين الظاهريات النظرية والظاهريات التطبيقية في العلوم الإنسانية، صحيح أن المنهج الظاهرياتي ساهم في تقدم الفهم المنهجي للعلوم الإنسانية، ومع ذلك يظل مستقلا كمنهج، ولا يمكن رده إلى تطبيقاته في العلوم الإنسانية؛ النفسية والاجتماعية أو في فلسفة التاريخ، لقد ساهمت هذه العلوم من قبل في اكتمال الظاهريات، ثم شاركت الظاهريات بدورها في تقدمها المنهجي، ومع ذلك تظل الظاهريات علما مستقلا وكاملا، يمكن تطبيق المنهج الظاهرياتي في العلوم الإنسانية دون أن يرد إليها.

6

ولا يكفي تتبع عمل عمل كي يؤسس المنهج بطريقة خصبة، وإذا أمكن تحليل كل عمل على حدة وإبراز مفاهيمه وتصوراته ومصطلحاته، فإنه لا يكفي لرؤية تكوين الظاهريات خطوة خطوة، فلا يتضمن كل عمل ظاهراتي مفاهيم عشوائية، بل تمثل اتجاها أو حركة مستقطبة نحو اتجاه محدد،

7

ولكل مجموعة من الأعمال أيضا توجهها مثل المجموعة المنطقية، والمجموعة الفلسفية، والمجموعة الحضارية.

8

وتحليل الموضوعات الرئيسية في الظاهريات أكثر فائدة إذا ما تجاوزت مستوى الظاهريات النظرية إلى ظاهريات تطبيقية، يجد موضوع الزمان في الظاهريات تطبيقات عديدة في علم النفس والجمال والدين،

9

كما يصبح التكوين وأنواعه المختلفة أكثر نفعا لو أدى هذا التمييز إلى توضيح ميدان يسوده الخلط بين المستويات في العلوم الإنسانية.

10

ومعظم الموضوعات في الدراسات الثانوية هي جوانب متعددة للمنهج الظاهرياتي، قواعده وميادينه، وتكون ذاتية الموضوعية بنية الشعور ذاته داخلا في العالم.

11

والتجربة المباشرة موضوع آخر في الظاهريات،

12

وهي وضوح أولي دون أن تكون فلسفة تمت صياغتها بجهد جهيد. صحيح أن هذا الوضوح يمكن أن يساهم في تقدم البحوث في العلوم الإنسانية، ويمكن أيضا أن يصبح حقيقة مستقلة مرتبطة بمنهجها، وصحيح أيضا أنه يمكن عرض الظاهريات ابتداء من موضوع رئيسي مثل: «الكوجيتو»، «الشعور»، «القصدية». ومع ذلك يتناول هذا العرض الظاهريات كفلسفة أكثر منها كمنهج؛

13

لذلك يتأرجح التحليل كله بين النظرية والمنهج، بين الميدان والقاعدة، بين تطور الظاهريات كطريق يبحث عن نفسه واكتمالها كمنهج، ويشير الوضع الرئيسي للكوجيتو والأنا الترنسندنتالي وحياته الخاصة إلى نفس الشيء؛ أي إلى الأنا الخالص، مركز العالم الإنساني والعالم الطبيعي،

14

و«الرد» هو أولى خطوات المنهج،

15

والبداهة هي نقطة البداية في تحليل صورة الشعور ومضمونه.

16

ولا يكفي التمييز بين موضوعات عديدة في الظاهريات لإيجاد المنهج الظاهرياتي؛

17

فداخل هذه الموضوعات هناك تمييز ضروري بين النظرية والميدان والمنهج، بين قضية في ذاتها ونظرية ، الخبرة المشتركة بين الذوات ميدان للاستكشاف، في حين أن «الرد» و«التكوين» وتحليل صورة الشعور ومضمونه يتعلق بالمنهج، ولم يتجاوز عرض الظاهريات كنظرية مذهبا فلسفيا يقوم على أسس أربعة: الرد، والدلالة، والماهية، والقصدية. ولا تكفي هذه اللحظات الأربع في الظاهريات لتتحول إلى قواعد في المنهج الظاهرياتي.

18

وقد تفترض خمس لحظات لعرض الظاهريات: تنظير الخبرة، اكتشاف القصدية، التحليل الموضوعي، تكوين المنطق، الظاهريات الشاملة. ولا تكون هذه اللحظات الخمس منهجا محكما، بل تتلخص فقط بعض جوانب المؤلفات الظاهراتية دون تنظيمها في حركاتها داخلها.

وهناك عديد من المحاولات في الدراسات الثانوية لتحويل الظاهريات إلى منهج تطبيقي، قامت إحداها لإيجاد منهج ظاهرياتي وتطبيقه في العلوم الاجتماعية،

19

ووضع للمنهج سبع قواعد؛ كل فعل هو سلوك باعثه مشروع مدرك سلفا، إشارة كل فعل إلى خبرة، كل الأفعال تتضمن اختيارا، العلاقات مباشرة بين الأشخاص من خلال الجسد، إدراك الآخر في تيار الشعور، الآخر مجرد طريقة للحضور، كل عالم اجتماعي له أبعاده التقريبية، ويلاحظ أن هذه القواعد السبع تشير فقط إلى ميدان واحد للظاهريات هو الخبرة المشتركة بين الذوات، كما أنها تخلط بين ميادين والقواعد بالمعنى الدقيق، تتأرجح القواعد بين الاثنين.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٥٦