تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32

وقد عرضت الظاهريات بمنهج تحليلي يشرح المفاهيم أكثر من منهج تركيبي يضم المفاهيم في قاعدة منهجية، وبسبب نقص الوعي بالظاهريات كمنهج تطبيقي أكثر منها نظرية أو فلسفية، عرضت من خلال عدة مفاهيم خاصة، ولو تمت محاولة عرض تركيبي فإنه لا يتعدى تجاور المفاهيم التي تم تحليلها من قبل، ويمكن تتبع نشأة الظاهريات وهي في سبيل التكوين دون الوقوع في تجزئة مصادرها مع المحافظة على حركتها الصاعدة نحو الظاهريات المكتملة.

33

وأحيانا تثير الدراسات الثانوية في الظاهريات مشاكل لا يستطيع حلها إلا المتخصصون وأهل الخبرة، ويسود الاتجاه العلمي جزءا لرؤية كل منها تحت المجهر مع الرغبة في استنباط نظريات نفسية وعلمية بالمعنى الدقيق وكأن الظاهريات معمل لعلم النفس. وقامت التحليلات الظاهراتية بالتأمل البسيط في الخبرات اليومية بمساعدة البداهة والحدس، وتنطبق الصرامة الظاهراتية على التأمل وقلب النظرة أكثر منها على التجربة العلمية.

وتستحق التقنية الظاهراتية بعض الانتباه،

34

ولا تعني التقنية هنا قواعد المنهج وتوضيحها، بل تشير إلى لغة الظاهريات ومجموع «الجهاز المفاهيمي»، ويضم إلى هذه التقنية أيضا مناهج الاستدلال وطرق البرهان، وكل ما يتعلق بالتركيب الخارجي للعمل فهو أيضا من التقنية، وأحيانا تريد الدراسات الثانوية أن تبين أهميتها باستعمال عدة ألفاظ، وتركيبها على نحو مصطنع للتعبير عن أشياء بسيطة للغاية.

وكانت كل محاولة لعرض المنهج الظاهرياتي دائما غير كاملة، وكان ذلك طبيعيا؛ لأنه كان من الضروري البحث عن نقطة بداية في موضوع محدد يظن أنه الموضوع الرئيسي، وعن نقطة نهاية تتوجه نحوها كل الظاهريات. وقد وجهت الظاهريات نحو المنطق الترنسندنتالي عن طريق فكرة العلم،

35

أما المحاولة عن طريق تنظير التجربة وتعقيلها فوجهت الظاهريات نحو الظاهريات العقل الشاملة،

36

ويكون عملا عبقريا محاولة أن تكون نقطة البداية متعددة، وإذا كانت نقطة النهاية الظاهريات المتكاملة نفسها.

وهناك علاقة وثيقة بين الظاهريات والعلوم الإنسانية، الظاهريات منطق كل علم خاصة العلوم الإنسانية، وعلم النفس أحد المراحل التي مرت بها الظاهريات، ويبين نقد النزعة النفسانية حركة صاعدة نحو الخالص، وقد رفض في نفس الوقت علم النفس التجريبي وعلم النفس العقلي، وقد كانت لثنائية النفس والبدن، وهو ميراث العصور الحديثة خاصة فلسفة الكوجيتو، آثار وخيمة على تطور الحضارة، الصورية والتجريد من ناحية، والمادية والشيئية من ناحية أخرى، وقد أدى القضاء على الصورية الأولى والمادية الثانية إلى التقابل في «الأنا الخالص»، وتتعدى دلالة علم النفس الظاهرياتي بالنسبة لعلم النفس الحالي التحليل البنيوي للموضوع إلى كل الحضارة،

37

والتفسير الحضاري للظاهريات من بين أكثر التفسيرات إحكاما.

وقد دفعت الدراسات الثانوية إلى حد كبير نحو الظاهريات النظرية؛ إذ تحاول كل دراسة عن الظاهريات إدراك موضوعاتها الأساسية، ويؤدي هذا العمل «الثقافي» إلى تحويل الظاهريات إلى مجموعة من الأفكار والنظريات داخل إطار تاريخ الفلسفة،

38

مع أن غاية الظاهريات القصوى هو العود إلى الأشياء ذاتها، يريد كل اتجاه تنظير كل موضوع مقدما في التصور-المفتاح؛

39

ومن ثم نقدت الظاهريات مضمونها الأصلي وهي تتكيف مع هذا التصور أو ذاك،

40

يحاول كل اتجاه ربط مجموع الموضوعات في مذهب متسق مثل باقي المذاهب، ففقدت الظاهريات صفتها كمنهج للبحث له نفس الخاصية التي للظاهرة الإنسانية.

والخطر الداهم هو عرض الظاهريات كمذهب مغلق، الظاهريات قادرة ولا شك على تقديم نفسها فعليا وعلى نحو ملموس ودون أن تكون مذهبا، وأقل من عقيدة، ولكن فقط كمنهج للتطبيق له قواعد محددة، ويمكن عرض هذا المنهج تدريجيا ودون فرضه كمجموع واحد يؤخذ كلية أو يترك كلية، وهناك خطر آخر وهو الدخول إلى المنهج، ولكن من جانب واحد، يستبعد كل الجوانب الأخرى، مضيفا المنهج العام، وموجها له نحو أحد اتجاهاته.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٥٣