21
وبوجه عام تترك الدراسات الثانوية المضمون ولا تأخذ إلا الصورة، وتنتمي اللغة وربما أيضا المفهوم إلى الصورة، الشيء وحده هو الذي ينتمي إلى المضمون، تترك الدراسات الثانوية الحدس الأساسي ولا تأخذ إلا الشذرات، مهمتها إثارة مشاكل ثم محاولة حلها.
22
وتعود الدراسات الثانوية إلى المشاكل التي تريد الظاهريات نفسها تجاوزها مثل مشكلة المثالية والواقعية؛
23
ومن ثم تعوق التقدم الذي أرادت الظاهريات القيام به بل وتؤخره. صحيح يمكن تناول مشكلة المثالية والواقعية لبيان إلى أي حد أمكن حلها أو حتى إلغاؤها في الظاهريات،
24
ليس الهدف هو تحويل القديم إلى الجديد، بل كيف تحول القديم في الجديد،
25
وقامت البداية الجذرية بخطوة واسعة للابتعاد مرة واحدة وإلى الأبد عن العقلية المفرقة التي تبدأ بقسمة الشيء إلى جزأين، ووضع كل جزء في عالم مختلف عن الآخر.
26
وعيب وضع الظاهريات في تاريخ الفلسفة مثل غيرها هو تحويلها إلى تاريخ، وهي تعلن عن نفسها أنها مستقلة عنه بعد أن اكتملت الحقيقة فيه. الظاهريات، عند مؤسسها الأول، ليست إلا في البداية، ولن تصبح أبدا تصورا للعالم أو مذهبا مغلقا، يمكن أن تدخل في التاريخ كعلم يساهم في تطور الحضارة، صحيح أن الظاهريات ليست مذهبا في تاريخ الفلسفة إلا أن لها دلالة حضارية مهمة، بل أخذ التاريخ وفلسفة الحضارة على أنهما نقطتا تطبيق للمنهج الظاهرياتي الذي اكتمل من قبل، ومن بين أهم التأويلات للظاهريات التأويل الحضاري.
27
وأحيانا تكون الدراسات الثانوية سببا في انحراف المحور في الظاهريات، سواء في المصطلحات أو في المفاهيم أو في الأشياء ذاتها،
28
وتتحول اللغة الاصطلاحية التي هي مجرد أدوات للتعبير في أعمال هوسرل إلى نظرية كاملة في الدراسات الثانوية، ويصبح مفهوم مساعد لمفهوم رئيسي آخر أكثر أهمية مفهوما رئيسيا، ويصبح الشيء الذي هو مجرد جانب من منطقة بأكملها عالما بأكمله، كل دراسة ثانوية هي انحراف عن المحور الرئيسي في أعمال هوسرل، تعطي أقل مما يعطيه العمل الرئيسي، تخفي المشاكل الرئيسية، وتتناول المسائل الفرعية، تثير مشاكل مزيفة فتنحرف الرؤية عن العمل الرئيسي، وتفقد الفكر اتجاهه، وتحول المنهج إلى نظرية، والفكرة الموجهة إلى فلسفة، والمفهوم إلى تصور مغلق للعالم.
لقد أبرزت كثير من الدراسات الثانوية بعض جوانب الظاهريات، ولا توجد دراسة واحدة حتى الآن حللت كل جوانبها محاولة تنظيمها في منهج، صحيح أن التفكير الظاهرياتي تفكير جذري خاصة فيما يتعلق بالاتجاه الطبيعي، ولكن هذا التفكير الجذري ليس إلا خطوة تمهيدية في تكوين المنهج الظاهرياتي ذاته.
29
ولا يكفي تطوير النزعة الجذرية في نقاط عديدة: اللغة، النزعة الطبيعية المعتادة، الرد، الوحدة، الاستقلال والغياب لكل افتراضات مسبقة وكل ميتافيزيقا. والنزعة الجذرية في التفكير الظاهرياتي مثل خلوده، الأولى تبين استقلاله بالنسبة إلى التاريخ، والثاني استقلاله كحقيقة.
30
وقد أبرزت مؤتمرات أخرى بعض جوانب الظاهريات أكثر من جوانب أخرى،
31
مثال ذلك الترتيب الزماني للظاهريات في تاريخ الفلسفة أو ظهور كل عمل داخل الظاهريات، ويساعد الترتيب الزماني على فهم أكثر للظاهريات التي تتكون تدريجيا، وبالرغم من تعدد مصادرها، الرياضية والمنطقية والنفسية والفلسفية، فإن لها قصدها المتجانس، ومع أن للظاهريات تطورها فإنها تحتفظ أيضا بوحدتها، كما تبرز قضية أخرى وهي فهم كل عمل باعتباره قصدا، وعولجت موضوعات أخرى مثل القضايا الرئيسية في الظاهريات أو التأملات الفلسفية ابتداء منها.
ويحتوي تحليل موضوع رئيسي في الظاهريات في الدراسات الثانوية عناصر كثيرة متناثرة، لكل منها تطوره الخاص، ويختلط عرض الظاهريات بنقدها، فقد وصفت الظاهريات الترنسندنتالية كظاهريات للفعل وليست كظاهريات للموضوع، كما اختلطت الظاهريات بتأويلاتها المختلفة، ونقدت اللغة نقدا عابرا مثل عدم قدرتها على التعبير، دون أن يتطور هذا النقد أكثر فأكثر، سواء فيما يتعلق بلغة الظاهريات أو فيما ينطلق باللغة على العموم. وأهملت مقارنات عديدة بين مختلف المناطق الحضارية.