3
وكل دراسة ثانوية تعتمد على غيرها إلى ما لا نهاية، والاعتماد على الدراسة السابقة لا يخلو من خطأ مهما كانت سلطتها وتخصص صاحبها، والخطأ الأول في فهم النص ينتشر بسرعة من دراسة إلى أخرى حتى يكتشف بالعودة إلى المصادر الأولى؛ أي إلى المؤلفات الظاهراتية نفسها عند مؤسسها.
ولكل الدراسات الثانوية على الظاهريات خصائص مشتركة واحدة، وكل نوع منها له خصائصه المتميزة، وكل دراسة عليها لها وضعها الخاص، ومع ذلك تعي الدراسات الثانوية مشكلتها الخاصة إذا ما قام بها فيلسوف ظاهراتي.
4
والهدف من التحقق من صدق الدراسات الثانوية بيان المسافة بينها وبين النصوص الأصلية، وفي نفس الوقت يدل استعمال بعض هذه الملاحظات الدقيقة والدالة أحيانا والاعتماد عليها وأخذ شهاداتها على اتفاق عديد منها على نفس النتائج.
ولا تتضمن الدراسات الثانوية التي تم تحليلها كل الدراسات حول الظاهريات منذ نشأتها، بل مجرد عينات ممثلة تسمح ببيان المسافة بينها وبين الأعمال الرئيسية في الظاهريات، لا تمثل إحصاء شاملا لها، وهو ما يتجاوز قدرات باحث واحد، بالإضافة إلى خروج ذلك عن إطار هذا العمل، تكفي عينة ممثلة؛ لأن عديدا من هذه الدراسات تعطي نفس النتائج، وإضافة دراسة أخرى لن تغيرها، والغاية من هذه النظرة العامة على هذه العينة الممثلة ليس النقد، وقد أجراها عديد من كبار الظاهراتيين والباحثين، بل هي مجرد ملاحظات بسيطة وشائعة عند كل باحث، بعد اتصاله المباشر مع المصادر الأولى للظاهريات، بعد أن يتحقق من هذا الاختلاف بين ظاهريات الظاهراتيين والظاهريات في أعمال مؤسسها.
5
| أولا: نقاط التطبيق1
ويمكن تصنيف كل الدراسات الثانوية في ثماني نقاط: (أ)
إدخال الظاهريات كنظرية فلسفية في تاريخ الفلسفة. (ب)
عرض الظاهريات كنظرية فلسفية مستقلة عن تاريخ الفلسفة. (ج)
تفكيك الظاهريات في جوانب عدة، وعرضها في أعمال المؤتمرات. (د)
عرض الظاهريات ابتداء من موضوع مركزي كنقطة بداية أو كمحور رئيسي في الظاهريات. (ه)
دراسة موضوع واحد في الظاهريات دون عرض شامل لكل العلم. (و)
مقارنة الظاهريات، جزئيا أو كليا، مع مذاهب فلسفية أخرى معاصرة أو متأخرة. (ز)
إسقاط وجهة نظر خارجية على الظاهريات ورؤيتها من خلال أقنعة فلسفية. (ح)
تبني حلول الظاهريات في دراسة في موضوع خاص.
وعلى نحو مجمل سرعان ما أطرت الظاهريات في تاريخ الفلسفة كنظرية فلسفية مثل باقي الفلسفات في زمن يعد بالقرون أو أنصاف القرون أو أرباع القرون، بالرغم من أن الظاهريات نفسها تاريخ للوعي الأوروبي؛
2
ومن ثم قلبت الظاهريات بدلا من أن تكون تاريخا للفلسفة أصبحت فلسفة في تاريخ الفلسفة.
3
فقدت استقلالها كمنهج لا يكتمل فيه فقط تاريخ الفلسفة، بل أيضا ينتهي كل تطور الحضارة إليه، قد يكون العرض كاملا ولكنه داخل في دائرة التاريخ. وقد تساعد مثل هذه العروض على التعريف بالظاهريات للجمهور، ولكنها في نفس الوقت تقضي عليها بتحويلها إلى تاريخ خالص، ونادرا ما عرضت الظاهريات النظرية في كليتها مع شرح محكم وتفسير لمقاصدها الدفينة، كان الهدف من العروض المتكاملة التي تمت من قبل هو تقديم الظاهريات من أجل التعريف بها للجمهور دون التعرف على المقاصد الدفينة للظاهريات أو تصورها كمنهج للتطبيق.
4
وقد تمت العروض المتكاملة للظاهريات مرات عديدة في عدة مؤتمرات،
5
وقطعت الظاهريات إلى جوانب عديدة، وركز كل مشارك على الجانب الذي رآه الأكثر أهمية أو أصالة، ضاعت وحدة الظاهريات، وتم النظر إليها من وجهات نظر المؤتمرين، وأصبحت موضوعا خلافيا بين عديد من التأويلات، اختفى الموضوع كلية، وأصبح موضوعا تائها لا يكاد يرى وسط حماس المتأولين وعبقرياتهم وقدراتهم على النفاذ إلى الموضوع الذي لم يعد له وجود.