وأقل طموحا من الفلسفة وبنيتها استخدمت الظاهريات كحل لمشكلة فلسفية واحدة هي مشكلة المعرفة،
148
واستعير الوصف الظاهرياتي من ظاهريات الموضوع في فلسفة «الوجود الروحي»،
149
وانتقل المستوى القصدي بسرعة من الظاهريات الترنسندنتالية إلى الأنطولوجيا الظاهراتية، مرورا بكل فلسفات الوجود اليونانية والمدرسية،
150
وهكذا خرجت الظاهريات عن مسارها الطبيعي بإسقاط ذاتها خارجها، وبتأثيرها داخل نظرية ممكنة للمعرفة، دون أن تكون نظرية النظرية كما أرادت أن تكون.
وقد ساهمت إلى حد كبير حلول الظاهريات لمشكلة فلسفية ما في دراستها كمشكلة فلسفية وكحقيقة أكثر منها كتاريخ للفلسفة؛ فقد تم تحليل مفهوم «القبلي» في بنية لا تاريخية، القبلي الموضوعي، والقبلي الذاتي، والإنسان، والعالم.
151
وهكذا تؤدي المعرفة إلى الوجود، و«الإبستمولوجيا» إلى «الأنطولوجيا»، والمسار من الظاهريات إلى الأنطولوجيا هو نفسه مسار «القبلي» الموضوعي. يوجد «القبلي» الصوري في المنطق الصوري وفي المنطق الترنسندنتالي كأنطولوجيا شاملة،
152
ويوجد «القبلي» المادي في القيم وفي ظاهريات الحدس الوجداني، ويوجد «القبلي» المدرك في الإدراك الحسي وفي الظاهريات الأنطولوجية، وأخيرا «القبلي» كعنصر مكون هو نقطة التقاء الإنسان والعالم. ويظهر نفس المسار في تطور «القبلي» الذاتي، بل وفي الجدل الداخلي بين «القبلي» الموضوعي و«القبلي» الذاتي، والإنسان والعالم، أليست الظاهريات وحدة الذات والموضوع في الشعور وفي الوجود في العالم؟ لم تؤخذ فقط الحلول الظاهراتية، ولكن توجد الظاهريات نفسها في الخلفية كتوجه في وعي الباحث.
ومع ذلك فإن الظاهريات أكثر من مشكلة «القبلي»، صحيح أن مفهوم «القبلي» يلعب دورا في الظاهريات خاصة في المنطق الصوري، ولكنه ليس المفهوم الوحيد، وصحيح أيضا أن الظاهريات التطبيقية مضطرة دائما لاختيار نقطة محددة لتطبيق المنهج الظاهرياتي، ولكن من الأفضل اختيار نقطة تطبيق تسمح باستثمار كل جوانب المنهج. والموضوع التطبيقي الوحيد الذي يوجد على نفس المستوى الرفيع للمنهج هو القصد المسكوت عنه في هذا المنهج بعينه، ونقطة البداية التي نشأت منها.
| الفصل الرابع: الدراسات الثانوية، والظاهريات النظرية1
وإذا اقتربت مصادر الظاهريات، وبيئتها الفلسفية، وكتاباتها الأولى، وكتاباتها المتأخرة، وتطورها الأخير، وتطبيقها من الظاهريات التطبيقية بدرجات متفاوتة، فعلى من تقع مسئولية الظاهريات النظرية؟ إن المسئول الأول عن الظاهريات النظرية هو التفسير الحالي للظاهريات والدراسات الثانوية.
يمكن تلخيص المشاكل الحالية للظاهريات في واحدة فقط هي مشكلة تفسير الظاهريات مع مشكلة الدراسات الثانوية؛ فمنذ أن عرفت الظاهريات تمت دراسات نظرية أو تطبيقية عديدة دون إحداث تقدم كبير، سواء في فهمها من الداخل أو في تحويلها إلى ظاهريات تطبيقية، ودفعا للمشاكل إلى حدها الأقصى تجد الظاهريات نفسها وبطبيعة الحال في أزمة تفسير، ومظهر هذه الأزمة في الدراسات الثانوية حول الظاهريات النظرية والظاهريات التطبيقية على حد سواء.
إن الدراسات الثانوية مشكلة منفصلة، وتكون ميدانا للدراسة أكثر منها مجموعة من البحوث في ميدان معين للدراسة،
2
وهي مسئولة عن كل التعقيدات في فهم الظاهريات وتركها على المستوى النظري، ومن الواضح أنها تمنع كل اتصال مباشر بين الباحث ومؤلفات مؤسس الظاهريات، وتتوسط بينهما كستار كثيف بين الباحث ومصادره الأولى. وتذهب من هذه الصادر طابعها «الطازج» وحيوتها، وقد يستطيع باحث بعلاقته المباشرة مع العمل الرئيسي إدراك ماهية أكثر من باحث مستعد لإدراك ماهية العمل عن طريق توسط باحث آخر، تنتمي الدراسات الثانوية إلى الباحث، مزاجه واحتياجاته وثقافته بالإضافة إلى عمل المؤلف، وهذا ما ينطبق إلى حد كبير على كل الدراسات الثانوية، ويطلق اسم الدراسات الثانوية على كل البحوث التي أجريت حول الظاهريات من أجل التعريف بها للجمهور، كما تطلق على كل بحث فلسفي بعد ظهور أعماله الرئيسية التكوينية، أما الأعمال التي يقوم بها الفلاسفة على غيرهم فإنها تستبعد من الدراسات الثانوية؛ فهي تعطي تأويلا عن طريق قراءة الحاضر في الماضي، وقراءة الماضي في الحاضر للمذاهب الفلسفية.