وبسبب هذه الظروف كانت لفلسفة التاريخ في الحضارة الأوروبية أهميتها؛ ففي العصر الوسيط لعب التاريخ من قبل دورا في تكوين العقائد، واعتبر التاريخ عاملا إيجابيا، منبعا للتراث الحي، وبعد عصر النهضة لعب التاريخ نفس الدور كمصدر للحقائق، موضوع البحث، بالطريق الإنساني. وتستطيع فلسفة التاريخ في الغرب أن تبين مصادر الوعي الأوروبي وبنيته وتطوره، وتستطيع أن تحدد بدايته ونهايته، وتعتبر الظاهريات نفسها اكتمال القصدية المشتركة للحضارة الأوروبية، لم يعد للتاريخ هذا الدور الإيجابي الذي أعطاه إياه اللاهوت العقائدي أو فلسفة التاريخ، في الظاهريات اكتملت الحقيقة، وأصبحت مستقلة عن التاريخ، وموجودة بذاتها، ومن ناحية أخرى للتاريخ دور في تطور الوحي؛ فقد تجلى الوحي في التاريخ، مرحلة بعد مرحلة، والتاريخ هو مجموع هذه المراحل السابقة حتى المرحلة الأخيرة، فقد اكتمل الوحي أيضا، لم يعد للتاريخ إذن دور بهذا المعنى، يظل مجرد ذكريات، باكتمال الوحي يستقل الوعي، ويبقى التاريخ كنماذج سابقة يحتوي على تجارب النجاح والفشل في الماضي وكميدان للفعل في الحاضر، ومساهمة في تحقيق مساره في المستقبل. لمشاكل التاريخ إذن حلها في تاريخ تطور الوحي. (4) حدود الظاهريات التطبيقية
99
لقد تم دائما نقد الظاهريات أثناء تطبيقها، ولم يكن النقد داخليا من أجل تطوير الظاهريات إلى علم محكم كما أرادت هي لنفسها، بل خارجيا طبقا للافتراضات الفلسفية أو العقائدية المسبقة، قيل مثلا إن التوقف عن الحكم غير قادر على اكتشاف جذرية القصدية.
100
وتعني الجذرية هنا خطوة تمهيدية من أجل الهروب من «الرد» لإعادة تأكيد الواقعية المدرسية، وقيل نفس الشيء ضد مفهوم «الحامل الأخير»، فهو غير كاف لأنه منفصل عن سياقه الواقعي الخام.
101
وقد نقدت الظاهريات بأنها غامضة في «الرد»، ينقصها التمييز بين المستويات. وكيف ينقص الظاهريات التمييز مع أنها تبدأ بتمييزات أصلية؟ والمستوى المطلوب هو مستوى المفارقة الذي يدافع عنه اللاهوت العقائدي أو الفلسفة المدرسية،
102
ويوصف المسار من العالم - الأفق إلى العالم - الحامل الأخير بأنه غامض لأنه طبقا للواقعية الخام (الساذجة) للفلسفة المدرسية العالم - الحامل موجود هنا. وهل هذا العالم واضح؟
103
واعتبر التمييز بين العلوم النظرية ونموذجها الظاهريات، والعلوم الاستنباطية ونموذجها الرياضيات، كمطلب للعقل الخالص للمطالبة بعلوم وقائع وضعتها الظاهريات سلفا بين قوسين، ويمهد هذا النقد للواقعية السابقة في الفلسفة المدرسية.
104
ونقد التطور المتأخر للظاهريات ممكن من أجل الإظهار المستمر للظاهريات الترنسندنتالية الخالصة،
105
واستبعد التكامل بين الظاهريات والمنطق في الأنطولوجيا الظاهراتية دفاعا عن التكامل بين الظاهريات والفلسفة الوجودية.
ولم تضع الظاهريات اللغة الطبيعية بين قوسين، خارج دائرة الاهتمام؛ فاللغة مثل الكوجيتو بداهة أولى،
106
وهي ضرورية إما للتعبير أو للإيصال.
وظلت الظاهريات الترنسندنتالية ظاهريات فعل أكثر منها ظاهريات موضوع، ولا يمكن تطبيق الظاهريات كعود إلى المعطى الأصلي في البحث في تاريخ الأنطولوجيا القديم،
107
ولم يعد الشعور مصدرا للمعطى، وترك مكانه للتاريخ، وترك العود إلى الأصيل في المنهج الظاهرياتي ب «اشمئزاز مستهجن» لأنه يضيق مضمون الظاهرة،
108
ولم تعد البداية الجذرية المطلقة مقبولة كمنهج للبحث،
109
الأشياء وحدها هي نقطة البداية.
وتعيد الظاهريات التطبيقية من حين لآخر تفسير الظاهريات نفسها.
110
ولا يعني إعادة تفسير التعبير عن الشيء بطريقة أخرى، ولكن الغوص في الأعماق حتى المقاصد غير المعلنة للعلم، وتصل الظاهريات التطبيقية إلى حد تفسير الظاهريات الترنسندنتالية لإعداد الموقف، ولا يؤدي تفسير الظاهريات إلى الرجوع إلى الوراء بل يدفع إلى الأمام. وليس المقصود العثور في الظاهريات على بقايا الماضي خاصة ما يتعلق بالفلسفة المدرسية، بل رؤية الظاهريات كاكتمال لتاريخ الفلسفة، وليس تمييز الظاهريات بين التكويني والتتابعي استرجاعا للتمييز المدرسي بين الماهية والصفة الضرورية، بل هو تمييز خاص يهدف إلى توضيح الخلط في ميدان محدد.