تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

72

وكلا المصدرين بنيات تاريخية مرتبطة ارتباطا وثيقا بظروف نشأتها، الخطيئة عقيدة تاريخية في التراث اليهودي المسيحي، وكذلك الله «الشرير» في ظروف الطرد. وتنشأ النزعة التاريخية لعدم وضع المصادر التاريخية التي تشير إليها هذه العقائد، فللخطيئة والطرد ... إلخ دلالات إنسانية، ربما تشير إلى حوادث معينة، ولكن هذه الحوادث التاريخية إذا ما طبق المنهج الظاهرياتي تصبح بين قوسين.

وإذا بدأت فلسفة الإرادة من «الإرادي واللاإرادي» فلماذا تنتهي بالضرورة إلى «التناهي والذنب» دون اللاتناهي والبراءة؟ ولماذا ينتهي تحليل الفعل بالضرورة إلى فلسفة الخطأ وليس إلى فلسفة في الاجتهاد والمنظور؟ لماذا يكون الإنسان بالضرورة مخطئا وليس على صواب؟ ولماذا توجد رمزية للشر دون الخير؟ كل هذه التساؤلات في حاجة إلى إجابات. وإن الإحساس المأساوي بالبؤس قد يؤدي إلى إحساس مأساوي بالعظمة.

73

وقد تؤدي الهشاشة الوجدانية إلى «الفكرة-القوة» والفعل الخلاق، والخطأ تجربة إنسانية في تأنيب الضمير، ذاتية خالصة دون وجود موضوعي حقيقي، وقد يكون الإنسان كاملا بلا خطأ، يكفيه أنه يعمل، ويعمل فحسب.

74

وكان لتحقيب الوحي في مراحل سابقة مع استبعاد المرحلة الأخيرة عواقب وخيمة في الوعي الأوروبي، ظلت خطيئة آدم واقعا فعليا كمصدر للخطيئة الأولى، في حين أنه في آخر مرحلة من مراحل تطور الوحي تاب آدم، وغفر له، ويولد الإنسان على الفطرة وعلى البراءة الأصلية، ويكون مسئولا عن أفعاله وحدها مسئولية فردية.

وفي علم النفس تم تطبيق المنهج الظاهرياتي بطريقة رائعة في «نظرية ميدان الشعور»؛ فالعمل هو «دراسة ظاهراتية أكثر منه عملا في الظاهريات».

75

وتدخل الظاهريات هنا في صراع مع الاتجاهات النفسية المعاصرة، موضوعة في بيئتها الثقافية، وتشارك مع باقي العلوم في صياغة علم إنساني مستقل، وهي الظاهريات الموازية، علم النفس الوصفي، علم النفس «الجشطلتي»، علم النفس البرجماتي، وعلم النفس الحدسي، من أجل عمل مشترك، وهو استكشاف الشعور؛

76

لذلك كان التحليل المقارن لموضوع ما بين هذه الفروع العديدة من علم النفس تحليلا خصبا.

77

والحقيقة أن الظاهريات في حاجة إلى أن تعود إلى هذه الحركات المعاصرة المشابهة التي تهدف إلى نفس الغاية، كل منها بوسائلها الخاصة.

وذكرت عدة آراء ظاهراتية في معرض تحليل ميدان مشترك، وذلك مثل نظرية «العوامل التصويرية» التي تمت مناقشتها مع باقي النظريات حول تجميع المعطيات الحسية وتنظيمها،

78

كما تم تحليل مفهوم الكوجيتو في الظاهريات في معرض تحليل ميدان مضمون الشعور،

79

وبالإضافة إلى ذلك يظهر المنهج الظاهرياتي في عدة مفاهيم أساسية في الظاهريات التكوينية،

80

وقاعدتيها الرئيسيتين «الرد» و«التكوين». ويظهر ميدان المنهج الظاهرياتي في النظرية الظاهراتية للإدراك الحسي؛

81

فهي علاقة بين الشعور والعالم الإنساني والعالم الطبيعي وليس فقط موضوعا لعلم النفس الظاهرياتي. وباختصار، ومع الفائدة الكبرى التي يقدمها المنهج الظاهرياتي لعلم النفس، تخاطر نظرية ميدان الشعور بإدخال الظاهريات الترنسندنتالية في النزعة النفسية بسبب قرابتها مع النظريات النفسية المعاصرة، ومما لا شك فيه أن علم النفس أحد مصادر الظاهريات، ولكن الظاهريات اكتملت فيما بعد كعلم محكم مستقل.

وقد أدى تطبيق المنهج الظاهرياتي في علم النفس إلى نشأة علم النفس الوجودي، فابتداء من نظرية الدلالة في البحوث اللغوية في الظاهريات تم تفسير الأحلام بحيث أصبحت استكشافا للوجود الإنساني؛

82

لذلك استعمل المنهج الظاهرياتي في تأسيس هرمنيطيقا الرموز.

83

ووجد اتجاه نفسي آخر في علم دراسة الشخصية الذي أصبح هو الآخر ميدانا جديدا للاستكشاف الظاهرياتي، أخذت «الانتماءات» كمكونات للشخصية.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٤٣