47
وازدهر اتجاه آخر في علم النفس الظاهرياتي في «فلسفة الإرادة»،
48
وقد تمت صياغتها أولا بمنهج وصفي للإرادي واللاإرادي واستبعاد الخطيئة والمفارقة.
49
وبعد «الرد النظري» جذب الإنسان حول واقعة أساسية، التبادل بين الإرادي واللاإرادي في قصدية ذات بنية ثلاثية: القرار، والحركة، والموافقة. واعتمادا على المعطيات التجريبية التي تم وصفها في الظاهريات، وارتباطا في نفس الوقت بمطلب وجودي، سر التجسد، وجدت فلسفة الإرادة طريقها بين العلم من ناحية واللاهوت من ناحية أخرى، ثم أعيدت صياغتها في «التناهي والذنب»،
50
ثم رفع القوسان، وظهرت شاعرية الإرادة المقصودة أولا في أسطورة عيانية بلغة الاعتراف، وكانت الهرمنيطيقا ضرورية لفك رموز الشر من أجل التقريب بين الأساطير والخطابات الفلسفية، ومن أجل اكتشاف المحل الإنساني للشر وولوجه في الوجود الإنساني، انتهت فلسفة الإرادة أخيرا إلى أنثروبولوجيا فلسفية تنتهي هي الأخرى بدورها إلى فلسفة في الحرية.
51
الظاهريات التي استعملت أولا كمصدر للنظريات النفسية تم تفصيلها بعد ذلك في أدق تفصيلاتها، وتم استخلاص موضوعات المملوء والفارغ، الأنا الخالص وتحليل الخبرات في الشخص الأول من المتون الظاهرياتية.
52
وأخذت الموضوعات الظاهرياتية مثل «الاستباق»، ووضعت في إطار التحليل النفسي للانتباه،
53
واعتبر قلب النظرة من الخارج إلى الداخل واستعمال الاستبطان كطريقة للإحساس.
54
وضد كل الكونيات استعيرت النظرية الظاهراتية لموضوع الفكر على العموم، وكذلك فكرة المنطقة في أنطولوجيا المناطق.
55
وطبقا للحاجة استعملت نظرية الخبرة الحية الخالصة كتيار للشعور للحصول على درجة عالية من التحول بين الفاعلية والإمكان.
56
ووضع الشيء كموضوع قصدية في مواجهة الشيء كموضوع فيزيقي، ثم أوجب هذا الموضوع القصدي الخالص التمييز بينه وبين المادة الهيولانية، ولنفس السبب لا يعطي عالم الحياة عن طريق التخطيط الذهني.
57
والنقد الوحيد الذي وجه إلى الظاهريات، الفصل بين مشاكل العلم ومشاكل الحكمة، راجع إلى الأهمية القصوى المعطاة إلى التحليل العلمي للمشاكل النفسية.
58
وطبقا للظاهريات، الحكمة وحدها هي العلم المحكم، العلم بالأصالة.
وفي اللحظة الأولى، لحظة وضع الأشياء بين قوسين، استعملت الظاهريات وكأنها علم نفس خالص، وذكر مؤسس الظاهريات كعالم نفس مثل آخرين، وبالرغم من هذه النزعة النفسية استعيرت عدة نتائج أخرى من الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ، بل أيضا من الأدب، وبالرغم من غياب أي نسق للعالم يكون المجموع عددا لا نهائيا من النظريات الصغيرة نتيجة رؤية الظاهرة موضوع الدراسة بعين المجهر، يقينا الدقة والضبط مطلوبان، ولكن ثقل التحليل الدقيق يند عن الفهم، والظاهريات أولا وقبل كل شيء نظرية في البداهة.
وعندما رفع القوسان، ترك التحليل العلمي للظواهر النفسية مكانه للتحليل العقلي للمفاهيم الفلسفية، وللتحليلين عنصر مشترك، الضبط والدقة لدرجة المتناهي في الصغير تحت المجهر، ولا تفهم الظاهريات في هذا المستوى، بل هي توجه عام يضع الأشياء في مستواها الخاص، وقبل رفع القوسين، استعملت الظاهريات كعلم نفس، واعتبرت نظرياتها نظريات نفسية مع باقي النظريات، وبعد رفع القوسين استعملت الظاهريات كفلسفة، واستعملت بعض المفاهيم الظاهراتية بين الحين والآخر كنظريات فلسفية صغيرة. وبين النزعة النفسية في «الإرادي واللاإرادي» والنزعة العقلية في «التناهي والذنب»، يتأسس المنهج الظاهرياتي مرة في التحليل النفسي، ومرة أخرى في التحليل الفلسفي، بل إنه من الممكن السؤال حينئذ: أين المنهج الظاهرياتي؟
ووضعت الظاهريات في إطار تاريخ الفلسفة، ووضعت أعمالها في مواجهات مع باقي الأعمال في التحليلات اللغوية والظاهراتية، وخضعت نظرية التعبير والدلالة ل «التحليل الدقيق».