39
ويبين «المرئي واللامرئي» بوضوح تجاوز الظاهريات إلى الأنطولوجيا، لم يعد المنهج الظاهرياتي يطبق في ميدان نفسي، سلوكا أو إدراكا حسيا، بل تم نقده باعتباره منهجا حدسيا ما زال ينتمي إلى نظرية المعرفة.
40
وتم تجاوز التمييز التقليدي بين الواقعة والماهية في المنهج الظاهرياتي، لم تعد الماهية موجودا فعليا ثابتا يمكن البحث عنه بفعل الشعور بتحويله من واقع إلى مثال، والتمييز بين الزمان والمحل ما زال ينتمي إلى ثنائية نظرية المعرفة، في حين أن التعشيق ثنائية،
41
ويمكن فكه في الوجود في العالم.
42
ويتبع «مخطط نظرية الانفعالات» نفس مسار «الخيال»؛ فهي دراسة نفسية ظاهراتية؛
43
إذ يقع، أي علم النفس، إما في النزعة العقلية أو النزعة التجريبية، وتعتبر النظريات التقليدية الانفعال مجموعة من الظواهر الفيزيولوجية أو النفسية للشعور، بل إن النظريات التي تقوم على الغائية تظل على المستوى الآلي، كما أن نظرية السلوك الانفعالي أيضا غير كافية، وكل هذه النظريات الفيزيولوجية والسلوكية والانفعالية الوظيفية تحيل إلى الشعور.
44
ودون اللجوء إلى نظرية التحليل النفسي يبدأ تأسيس نظرية ظاهراتية، الشعور الانفعالي هو أولا شعور بالعالم؛ فالعالم هو الطرف الموضوعي للانفعال.
45
أما «الخيالي» فهو دراسة في علم النفس الظاهرياتي للخيال كما يصرح العنوان الفرعي،
46
ويتطلب المنهج الظاهرياتي تحليل الموضوع كصورة ذهنية وليست الصورة الذهنية كموضوع، ويستبعد خطأين: المفارقة في النزعة العقلية، والحلول في النزعة التجريبية. الصورة الذهنية شعور؛ هي ظاهرة تخضع تقريبا للملاحظة، يضع الشعور الخيالي موضوعه كعدم، ويعطي نفسه كتلقائية تنتج وتحفظ الموضوع كصورة ذهنية، وتوصف هذه الصورة الذهنية في مجموعات: صورة شخصية، صورة كاريكاتيرية، علامة. ويتعلق كل هذا الوصف القصدي للصورة الذهنية باليقيني؛ أي بالموضوع الخارجي كصورة ذهنية، وهناك نوع آخر من الصور الذهنية، وهو المحتمل الذي يقدمه الموضوع الداخلي للشعور مثل: المعرفة، التعاطف، الحركة، الصورة الذهنية؛ ومكوناتها: الكلمة والشيء. وتلعب الصورة دورا في الحياة النفسية عن طريق الرمز والمخططات الرمزية والتصوير الذي يتطلب نوعا خاصا من السلوك، صحيح تستطيع الصورة أن تظهر في إطار مرضي أو في الحلم كما تظهر في الشعور وفي العمل الفني.
وقد طبق المنهج الظاهرياتي أيضا في ميادين نفسية أخرى، الخيال والخيالي والانفعالات.
ففي «الخيال» تم تحليل الصورة كنمط لوجود الأشياء،
47
فلا يستطيع المنهج العقلي، وهو أساس كل المذاهب الميتافيزيقية الكبرى،
48
ولا المنهج الوضعي وهو أساس كل النظريات النفسية،
49
أن يدرك ماهية الصورة، المنهج الظاهرياتي وحده، وهو أساسا منهج استنباطي، هو الذي يستطيع ذلك، ليس كموضوع عقلي وليس كموضوع مادي بل كقصد متبادل.
50
وظاهريات اللغة مقاربة لوصف ماهية اللغة ابتداء من العالم الحي في حركتين، من المثال إلى الواقع، ومن الواقع إلى المثال. الأولى تكون اللغة في المعية الزمانية، والثانية تكون اللغة في المتوالية الزمانية،
51
وتوجد علاقة الدال بالمدلول في «الترسيب»؛ أي في التراكم الدلالي.
52
والأنطولوجيا الظاهراتية التي تقوم على أساس علمي ترد الظاهريات إلى مصادرها، خاصة مصدرها النفسي، وتظل الأنطولوجيا العيانية التي تحيل إلى أطر إنسانية أكثر إخلاصا للظاهريات من الأنطولوجيا العلمية التي تستمر في أداء مهمة إصلاح علم النفس الراهن. (4) الأنطولوجيا النقدية
53
استعمل المنهج الظاهرياتي من أجل وصف واقع المعرفة، وهي المهمة الرئيسية لنظرية المعرفة، وتوصف الأشياء ذاتها قبل أي نقاش بين المثالية والواقعية. إن مجرد وصف كل جوانب الظواهر الميتافيزيقية والنفسية والمنطقية لا يقدم إلا المعرفة الساذجة، وهي أقل أهمية من المعرفة العلمية، ومما لا شك فيه أن السمات التي يمكن الحصول عليها تعبر عن البنية المثالية الجوهرية والقبلية للظاهرة، والظاهريات لا تتعامل مع ظواهر فعل الشعور الترنسندنتالي بل ظواهر الموضوع،