تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

وقد تميز وجود الآخر بتحليل مفصل للنظرة،

27

ولا مكان للأنا وحدية؛ لأن اللجوء إلى الآخر شرط مسبق لتكوين العالم؛ فالعالم الذي يبدو للشعور هو عالم بين المونادات تحت مطرقة «الرد» الظاهرياتي، يبدو الآخر ضروريا حتى لتكوين الذات، الأنا ترنسندنتالي، يكون الآخر، وينكشف في تجربتنا العيانية كغياب، باختصار، يتحول الآخر إلى سلسلة من الدلالات، والعلاقة الوحيدة بين وجودي ووجود الآخر هي علاقة المعرفة،

28

والآخر أكثر من ذلك، أكثر من وصف البنية الأنطولوجية لعالمي الذي يدعى أيضا أنه عالم الآخرين.

29

ولا تكفي الحساسية كمادة هيولانية يحركها القصد ل «عامل التعاند» للموضوع،

30

تستطيع القصدية الوجدانية ولا شك أن تحدد العلاقات العيانية لوجود الآخرين، هذه هي الموضوعات الظاهراتية التي يبدأ فيها سارتر لاستكشاف الوجود من أجل الآخرين.

31

وأخيرا يأتي تحليل المقولات الثلاث؛ الملكية، والفعل، والوجود. يقدم الكوجيتو حقيقة الماهية مع أن الوجود يسبق الماهية، ويقوم الفكر الإرادي البسيط، ببنيته الانعكاسية، يستعمل التقويس بالنسبة للباعث، ويعلقه ويضعه بين قوسين، وهذا إعدام للباعث، ويظل الشعور لحظيا، ولا تستطيع الظاهريات إخراجه منها، هذه هي الموضوعات الظاهراتية التي تستخدم من أجل استكشاف الجزء الأخير من «الوجود والعدم». الأنطولوجيا الظاهراتية هي إذن فلسفة عدم أكثر منها فلسفة وجود، تسودها رؤية سلبية للعالم.

32

وهكذا لم يطبق فقط المنهج الظاهرياتي، ولكن الظاهريات نفسها قد تغيرت تماما، صحيح أن الأنطولوجيا تحتوي على ثراء لغوي وتحليلي، ولكنها تقترب من الأدب، وتبتعد تدريجيا عن الفلسفة كعلم دقيق كما تصورتها الظاهريات، وكانت الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات هي أشكال التعبير المفضلة، وفي الأنطولوجيا الظاهراتية العلمية يغيب هذا الجانب الأدبي. (3) الأنطولوجيا العلمية (النفسية)

33

وتبدأ الأنطولوجيا الظاهراتية القائمة على أساس علمي بتطبيق المنهج الظاهرياتي في موضوع خاص مثل: الإدراك الحسي، السلوك، الانفعال، الخيال، الخيالي ... إلخ. ويطبق المنهج على نحو غير مباشر بنقد النظريات النفسانية في الاتجاه الطبيعي، ولا يتلاءم علم النفسي التجريبي ولا علم النفس العقلي مع الظاهرة النفسية؛

34

ومن ثم تستعمل الظاهريات كأساس شعوري لنقد علم النفس الحالي، وإذا كان علم النفس الوصفي أساس الظاهريات فقد أدت الظاهريات خدمة جليلة لعلم النفس الوصفي، كما أدى علم النفس الوصفي نفس الخدمة لعلم النفس، كل في عصره؛ فقد ساعدت الظاهريات على نشأة تيار جديد في علم النفس هو علم النفس الظاهرياتي.

ولا ينفصل علم النفس عن الأنطولوجيا؛ فالأنطولوجيا أساس كل علم تجريبي بما في ذلك علم النفس، يتحدد كل علم في علاقته بالأنطولوجيا قبل أن يكون معرفة، وقد تحددت بوضوح العلاقة بين الظاهريات وعلم النفس في «الأفكار» الجزء الثالث، وهو العمل الذي تظهر فيه الظاهريات كعلم مكتمل،

35

وأعيد تناول الموضوع فيما بعد في «الظاهريات النفسية» كنموذج،

36

والسؤال المطروح هو: كيف تقوم الظاهريات على علم النفس الوصفي وتنفصل عنه؟ وكيف تقدم له ولعلم النفس بوجه عام خدمات جليلة؟

و«علم نفس السلوك» تطبيق من نوع آخر للمنهج الظاهرياتي،

37

يضع السلوك الانعكاس الشرطي بين قوسين من أجل تكوين السلوك الأسمى، كما يضع النظام الفيزيقي والنظام البيولوجي بين قوسين من أجل تكوين النظام الإنساني في الشعور الإدراكي كحل جديد للمشكلة القديمة، صلة النفس بالبدن.

وتعتبر «ظاهريات الإدراك الحسي» ضمن أكثر التطبيقات إحكاما للمنهج الظاهرياتي،

38

لم تعرض الظاهريات فقط في جوانبها المنهجية، رفض الأحكام المسبقة القديمة، والعود إلى الأشياء ذاتها، ولكن أيضا في نتائجها، مثل اكتشاف جسد العالم المرئي للوجود لذاته وللوجود في العالم كميادين للاستكشاف، واستعملت بعض التحليلات الظاهرياتية مثل: الظاهريات كوصف وليس كتفسير أو مجرد تحليل، الرد الظاهرياتي كاكتشاف للعالم، إدراك ماهيات العالم الحي، اكتشاف القصدية كتقاطع بين الذاتية المتطرفة والموضوعية المتطرفة.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٣٥