8
وهو تمييز ضمني أيضا في بداية «الرد» الظاهرياتي بين «علوم الوقائع» و«علوم الماهيات».
9
وإذا تم الإبقاء على مفهوم «العالم الحي» إلا أن كل فلسفة تصورات العالم تم نقدها باعتبارها فلسفة ممثلة للنزعة التاريخية،
10
ومع أن فلسفة تصورات العالم قد فندت نزعة الشك التاريخي إلا أنها ظلت مرتبطة بها، ومع ذلك ظلت الظاهريات باعتبارها علم الماهيات ضد النزعة الطبيعية والشك في إطار قصد فلسفة تصورات العالم.
11
وقد رفضت فلسفة تصورات العالم من قبل كل ميتافيزيقا لا تنبع من الحياة، كما رفضت الظاهريات كل ميتافيزيقا الشيء في ذاته أو ميتافيزيقا الوجود،
12
ويتفق كلاهما على ضرورة وجود نظرية صحيحة شاملة، ومع ذلك لا تريد فلسفة «تصورات العالم» إنكار القيمة الموضوعية للوقائع التاريخية، وتحكم على الظاهريات بأنها مثالية مطلقة كما تحكم الظاهريات على فلسفات تصورات العالم بأنها نزعة تاريخية؛ أي فلسفة نسبية وشك.
13
وفي المقابل أبرزت فلسفة الحياة نقد العقل التاريخي الذي أهملته الفلسفة النقدية.
14
وتؤسس «فلسفة الحياة» علم نفس وصفيا ضد علم النفس «الطبيعي». وهي المهمة التي استأنفتها الظاهريات وطورتها إلى تأسيس علم خالص.
15
كما أبرزت «فلسفة الحياة» علم نفس تحليليا ووصفيا في مواجهة علم النفس «الطبيعي».
16
وبسبب نقص التنظير العلمي الدقيق، ووضع المشاكل والحلول المنهجية اليقينية لم تستطع مقاومة نقد علم النفس «الطبيعي» وتقدمه.
17
ومع ذلك استأنفت كثير من البحوث «فلسفة الحياة» التي شنها مؤسسها من أجل إعطائها توضيحا أخيرا وتأسيسها تأسيسا علميا دقيقا، أو على الأقل في حدود معينة، حتى اكتمال الظاهريات.
18
وهكذا تستمر الظاهريات في النهل من منبع «فلسفة الحياة»، وفي نفس الوقت تنقدها وتتجاوزها. «فلسفة الحياة» فلسفة حدسية، تريد تأسيس العلوم الإنسانية «علوم الروح» خاصة علم النفس على تجربة باطنية شاملة خالصة، دون تأسيس هذه التجربة على تنظير تحليلي مجرد. ونقصت نظرية التجربة الباطنية نظرية في العقل. فإذا كانت «فلسفة الحياة» تمثل التجربة الخالصة في مواجهة علم النفس «الطبيعي»، فإنها تهمل التحليل المنطقي الرياضي، وهي الإضافة الأساسية للظاهريات. وإذا استطاعت «فلسفة الحياة» أن تبلور حدسا عيانيا، فإنها ظلت مرتبطة بالفردي والجزئي، في حين تضع الظاهريات الفردي في علم رياضي شامل وموضوعي.
19
وإذا كانت «فلسفة الحياة» تطورية، فإن الظاهريات تريد الوصول إلى ماهيات ثابتة. وإذا كانت «فلسفة الحياة» متجذرة في الحياة، فإن الظاهريات تريد تأطيرها في الفعل؛ لذلك لم تستطع «الفلسفة الأولى» أن تتخلص كلية من الاتجاه الطبيعي، ولم يكن كافيا التوضيح المنهجي. والمتطلبات الاستقرائية في حاجة إلى أسس عقلية. «فلسفة الحياة» تحليل نسقي ل «الروح» في حين أن الظاهريات تحليل نسقي للماهية؛ لذلك لم تكن لفلسفة الحياة أثر مباشر على فلسفة العصر بالرغم من أثرها المبطن غير المباشر.
20
ويبين بوضوح نقد الظاهريات لفلسفة الحياة المشكلة العملية موضع النقاش، وهو تأسيس العلوم الإنسانية خاصة علم النفس. وإذا ارتبطت فلسفة الحياة بالفردي والجزئي والحياة الباطنية وبالحي، أي بالظاهرة الإنسانية، فذلك لا يعني أنها فلسفة طبيعية ونسبية وشك. تريد الظاهريات أن تقيم موازاة بين الرياضيات، وهي المثل الأعلى للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، والظاهرة الإنسانية.
21
ولا يمكن الحصول على العام والشامل عن طريق تحويل العلوم الإنسانية إلى رياضيات كما تم في العلوم الطبيعية، ولكن على العكس بالإيغال في أعمق أعماق الفردي والجزئي. وإذا ما نقدت الظاهريات كثيرا الموازاة بين «العلوم الإنسانية» و«العلوم الطبيعية» كما تظهر النزعة النفسية والوضعية والبرجماتية والنزعة التاريخية ... إلخ، فإنها وقعت في موازاة أخرى بين العلوم الإنسانية والعلوم الرياضية. فإن لم تكن «الروح» شيئا فإنها ليست «صورة». للعلوم الإنسانية مستواها الخاص، لا هو مستوى المادة ولا مستوى الصورة، بل مستوى الحياة.