تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وكل محاولة لاختراع تناقض عقلي لا تغير من العالم الواقعي شيئا.

9

وبالرغم من وجود فلسفة للعمل أخيرا إلا أنها نسق عقائدي كغيره من الأنساق، يعطي فهما جديدا للعقائد دون القيام بتحليل فعلي للقصد أو للعمل.

10

تستطيع ظاهريات العمل أن تتخلص من هذه السكونية العقائدية بتقديم القصدية العملية، وينقل القصد من المستوى المعرفي إلى المستوى العملي، ليس القصد فقط وحدة الذات والموضوع بل هو مصدر العمل.

11

ظاهريات العمل هي في الأساس مشكلة أخلاقية، وتلحق بالمنهج الظاهرياتي، وهو أساسا رؤية أخلاقية للعالم. وقد أبرز تأويل الظاهريات ذلك؛ أي تفسير المرحلة الأولى للظاهريات في بحوث منطقية بإرجاعها إلى المرحلة الأخيرة في البحوث الأخلاقية. والأخلاق نقل المشكلة الخلقية على مستوى الوعي الخالص.

وبالرغم من أن الأبعاد الثلاثة للوعي الديني متميزة: الوعي التاريخي، والوعي النظري، والوعي العملي؛ وظائفها الثلاثة: النقد التاريخي، والتحليل اللغوي، والتحقيق العملي للأغراض الثلاثة: الصحة التاريخية، وفهم معاني النصوص وتطابقها مع دلالات الخبرة الحية في الحياة اليومية، وتحقيق الوحي كنظام مثالي للعالم، إلا أنها ليست منفصلة بعضها عن بعض. وبالرغم من أن لكل بعد مهمته فإن البعدين الآخرين يقدمان له مهمتيهما ووظيفتهما لأداء مهمته ووظيفته الخاصة في حدود حاجاته، وبالرغم من التعاون المتبادل بين الأبعاد الثلاثة للشعور الديني، يظل كل بعد متميزا عن الاثنين الآخرين.

مثلا مهمة الوعي التاريخي البحث عن الصحة التاريخية لنص الوحي عن طريق النقد التاريخي، ويطبق كعلم محكم وحرفيا تماما وكأنه في مواجهة نص أدبي قديم. وهي مسألة مبدأ بصرف النظر عما إذا كان هذا النص وحيا أم لا، فإن تطبيق قواعد النقد التاريخي هو الضامن الأول لفهم المعنى بعد إثبات الصحة التاريخية للنص، وإذا كان فهم المعنى صحيحا طبقا للمبادئ اللغوية وبعد المراجعة النقدية يثبت أن النص غير صحيح تاريخيا، ففي هذه الحالة يصبح الفهم باطلا من الأساس.

ويستطيع الوعي النظري، ومهمته فهم معنى النص بواسطة المبادئ اللغوية، أن يقدم مساعدته في النقد التاريخي في حالة نص له درجة ضعيفة في الصحة التاريخية؛ فالواقع أن النقد التاريخي في حالات كثيرة لا يستطيع أن يقطع إذا كان النص صحيحا تاريخيا على الإطلاق أو غير صحيح. هنا يستطيع الوعي النظري ابتداء من المبادئ اللغوية أن يحكم إذا كانت ألفاظ النص لها معان أم لا، فإذا كانت لها معان يستطيع التحليل النظري أن يتدخل بعد ذلك إذا كان المعنى مطابقا لخبرة حية في الحياة اليومية أم لا؛ فإذا كان مطابقا يصبح النص الذي حصل من قبل على درجة ضعيفة في الصحة التاريخية في النقد التاريخي صحيحا. وإذا لم يكن مطابقا ففي هذه الحالة لا يترك النص نهائيا؛ إذ تبقى له فرصة ثالثة من الوعي العملي؛ فالواقع أن المعنى الذي يبدو غير مطابق للخبرة الحية في الحياة اليومية يتم تجربته كأساس للسلوك؛ فإذا أمكن استعماله كأساس للسلوك فإنه يصبح في هذه الحالة صحيحا بمعنى الفاعلية والأثر في الحياة العملية. وإذا كان الفهم، مستوى الوعي، مرفوضا، يستطيع السلوك على مستوى الوجود استعادته. وأخيرا إذا استحال استخدامه كأساس للسلوك، أي إثبات فاعليته، ففي هذه الحالة يرفض النص على الإطلاق.

وهناك مسائل عديدة مشتركة بين بعدين للشعور دون أن ينفرد بها واحد على آخر؛ فمثلا تتعلق مسألة الكتاب والتراث في نفس الوقت بالوعي التاريخي والوعي النظري، وبعد تطبيق قواعد النقد التاريخي يعتبر الكتاب هو المصدر الوحيد للوحي، ويقاس عليه التراث للتحقق من صدقه أو زيفه في حالة التطابق معه أو الاختلاف، ويتم ذلك القياس عن طريق الشبه، وهو جزء من التحليل النظري، وهو المنهج السائد للفهم في الوعي النظري، وهذا كله يؤكد تكافل الأبعاد الثلاثة للوعي بالرغم من تمايزها من حيث المهام والوظائف.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٢١٠