3
ويستطيع تكوين عالم الروح أن يفتح طريقا جديدا أمام مشكلة «البراكسيس»؛ الإشكال الثالث في التأويل.
وأبعاد الوعي الثلاثة لها ترتيبها: الوعي التاريخي، والوعي النظري، والوعي العملي. يسبق النقد التاريخي فهم النص، ويسبق فهم النص تحقيقه العملي، وتتبع الأبعاد الثلاثة للحقيقة نفس الترتيب: صحة النص، تماثل معنى النص مع خبرة في الحياة اليومية، وتحقيق معطى الوحي كنظام مثالي للعالم.
ولا تعني أولوية الوعي التاريخي تحويل الوحي إلى حقيقة تاريخية خالصة حيث ينعدم الاعتقاد بالإيمان؛ لأن الوحي كعلاقة بين المبلغ ومصدره، وهي نظرة النبوة، بين قوسين، خارج دائرة الانتباه. والصحة التاريخية للنص هي أول خطوة لفهم النص؛ فلو نصيب الفهم على نص غير صحيح تاريخيا، فإن الفهم نفسه لا يكون صحيحا؛ وبالتالي يصبح السلوك أيضا غير صحيح. والاعتقاد هو تكامل هذه المعاني الثلاثة للحقيقة: الصحة التاريخية لنص الوحي، تماثل معناه مع خبرة الحياة اليومية، وفاعليته كأساس للسلوك في تحقيقه كنظام مثالي للعالم. وإذا نقص أحد المعاني ينقص المعنيان الآخران. مهمة النقد التاريخي البحث عن الصحة التاريخية للنص، ويضع منطقا للنقل بالبحث عن التماثل وسط الاختلاف، والتجانس وسط التعارض.
4
وبالتالي يواجه النقد التاريخي أولا مشكلة التاريخ، خاصة مشكلة موضوعيته. ووهم النزعة التاريخية أحد أسباب الأزمة الحالية للتأويل، وتعلن النزعة التاريخية التزامها بالتاريخ الموضوعي الخام، تجميع حوادث متعددة ومتتالية وقعت في المكان والزمان. وأمام هذه الأزمة تقدم الظاهريات حلها. تحل التاريخانية محل النزعة التاريخية، ويترك تاريخ الحوادث مكانه لصالح تاريخانية الوجود الإنساني؛
5
فالوعي هو البعد الشامل للتاريخ، كما أن التاريخ هو البعد الزماني للشعور كاسترجاع للماضي بالإضافة إلى توتر الحاضر وترقب المستقبل.
6
والنبي أولا وقبل كل شيء وعي قبل أن تكون النبوة حادثة، والحواري وعي الراوي قبل أن تكون الرواية نقل متتال، والجماعة الأولى وعي جماعي قبل أن تكون مؤسسة، والمؤمن البسيط أيضا وعي قبل أن يكون وحدة كمية أو عددية بالنسبة لمجموع المؤمنين وعددهم. (2) التحليل اللغوي لفهم النص (الوعي النظري)
ويستطيع اللغوي، وهو الإشكال الثاني في التأويل، أن يحل وهم الدوجماطيقية؛ فالواقع أن النص المقدس هو مادة للبحث تخضع لمنطق لغوي محكم تقدمه الظاهريات، وتعني كلمة «لوجوس» الكلام، والفكر، والشيء المفكر فيه؛ الأول منطق القضايا، والثاني منطق الاتساق، والثالث منطق الحقيقة.
7
يقوم منطق القضايا منطقا لغويا قائما على مبادئ الاشتباه، مثل: الظاهر والمئول، الحقيقة والمجاز، المحكم والمتشابه، المجمل والمبين ... إلخ. وابتداء من تحليل الألفاظ التي يتكون منها النص لا يوجد مكان لمعنى مسبق مفترض من الخارج ثم يدخل في النص، بل فقط إبراز معنى النص الذي تبنيه الألفاظ عليها، ويقدم منطق الاتساق دلالات متماثلة مع ذاتها ومستقلة عن الأشياء الدالة، وتصبح معاني النصوص دلالات مستقلة عن الحادثة أو الشيء الدال. وأخيرا يجد منطق الحقيقة الأشياء الدالة ذاتها كماهيات «أنطولوجية» عيانية في الحياة اليومية؛ ومن ثم يعطي التحليل اللغوي فرصة ذهبية للتخلص من النزعة العقائدية الشيئية للاهوت الذي يستخرج معنى من خارج النص المعتمد على الحادثة الأولى؛ وبالتالي فقدان الشيء الدال. يستطيع التحليل اللغوي أن يتخلص من اللاهوت كنسق مغلق صوري مادي. (3) أنماط السلوك للتحقق العملي (الوعي العملي)
والتحقيق العملي، الإشكال الثالث في التأويل، هو في الحقيقة ظاهريات العمل بالنسبة لظاهريات التاريخ، الإشكال الأول للنقد التاريخي، وبالنسبة لظاهريات اللغة الإشكال الثاني في التحليل اللغوي؛ تقوم ظاهريات العمل على دراسة القصد والعمل. ومن بين أحد أسباب الأزمة الحالية للتأويل وهم السكون. ليست العقائد مذاهب مغلقة صورية أو مادية، أبنية ساكنة عقلية أو مؤسسية، بل هي مثل لتحقيقها كنظام مثالي للعالم. وتوجد الأزمة الحالية في التأويل في الخلط بين الوجود والصيرورة،