137
ويدل غياب الحركية في الظاهريات على ضرورة وجود ظاهريات للفعل؛ فتتحول حياة الظاهرياتي إلى معمل متنقل يعيش الظاهرة، وتخضع لتحليله النظري لإدراك ماهيتها. وبتعبير آخر تتبخر الخبرة الحية، وهي ليست إلا شحن طاقة بالتفكير دون أن تتجلى في صورة فعل حقيقي.
138
كما يوجد نوع معين من التجارب الثقيلة للغاية لدرجة أنها تعصى على التحليل النظري من أجل التوجه إلى العمل. وأحيانا يتطلب العمل قفزة من الفكر إلى العمل دون أن يكون العمل انبثاقا من أي تحليل نظري.
لقد تمت دراسة مشكلة العمل في كل مكان ولا في مكان؛ فقد تمت دراستها في كل العلوم الإنسانية؛ في الفلسفة، في علاقة الفكر والفعل، وفي العلم في مشكلة العلم والعمل، وفي الدين في دراسة المشكلة الخلقية. درسها كل فلاسفة العصور الحديثة بالإضافة إلى الفلاسفة القدماء.
139
وحتى الآن لم تتم صياغة ظاهريات للفعل.
140
| الفصل الثاني: الظاهريات النظرية والظاهريات التطبيقية1
ما زالت الظاهريات في الحالة الراهنة فلسفة نظرية دون تطبيقها على نحو دائم في البحوث الفلسفية، والدراسات على الظاهريات النظرية أكثر من الدراسات على المشاكل العملية. الظاهريات النظرية مرتبطة أشد الارتباط بالظاهريات السكونية، وغياب التطبيق نتيجة طبيعية لغياب الحركية .
وقد لاحظت الدراسات الثانوية نفس الشيء؛ فقد قامت دعوات عديدة من أجل القيام بدراسات تطبيقية حتى لا تصبح الظاهريات أي شيء.
2
وكل فكرة لها علاقة بالعمل حتى الوجود.
3
| أولا: مميزات الظاهريات التطبيقية على الظاهريات النظرية1
للظاهريات التطبيقية عدة مميزات على الظاهريات النظرية. أهمها ثلاثة؛ أولا: الظاهريات التطبيقية ذات اتجاه واقعي خاصة إذا كان موضوع الدراسة لا يرد إلى المبادئ المنطقية.
2
ويكون مضمون الشعور خاليا من أي حقائق لا واقعية وخيالية ما زالت تسود الظاهريات النظرية. صحيح أن المخيلة يمكن دراستها كجانب من الواقع، ولا تكون الدراسة على المخيلة في ذاتها، ولكن المخيلة كوظيفة للشعور.
3
ثانيا: لا تتعامل الظاهريات التطبيقية مع كل الموضوعات أيا كانت، بل تتعامل فقط مع الموضوعات الدالة. وبتعبير آخر كما اختارت الظاهريات التطبيقية من قبل الموضوعات الواقعية أكثر من الموضوعات الخيالية فإنها تختار هذه المرة الموضوعات الواقعية الدالة وليس أي موضوع «دنيوي»؛
4
إذ يضم الواقع وقائع مصمتة ووقائع دالة. والوقائع المصمتة أقل حملا للدلالات.
5
ثالثا: تتجه الظاهريات التطبيقية دائما إلى غاية عملية، في حين أن الظاهريات النظرية ليست لها أي غاية عملية محددة. الظاهريات العملية أساسا ظاهريات غائية، في حين أن الظاهريات النظرية يتم فيها التحليل من أجل التحليل.
6
وبالرغم من أن التحليل دقيق إلا أنه لا ينتهي إلى أي غاية عملية. في الظاهريات النظرية العلم من أجل العلم، وفي الظاهريات العملية العلم من أجل الحياة.
7
وبالإضافة إلى هذه المميزات السابقة تجد كثير من المشاكل في الظاهريات النظرية حلولها في الظاهريات التطبيقية؛ فالواقع أنه في الظاهريات النظرية يظل الشعور عالما أكثر اتساعا من العالم الواقعي. يحتوي تصورات ومقولات وميادين يتكون فيها الموضوع. لا يكفي وضع الموضوع المادي بين قوسين، الرد الظاهرياتي. ولا يكفي أن ينتزع من الموضوع الحي كل الآثار النفسية، الرد النظري، لأن ما تبقى يظل محاطا ومغلفا بالمؤلف نفسه بتصورات ومقولات وميادين أو مركباتها، مثل: تصورات ميدانية، مقولات تصورية، ميادين أنطولوجية، أنطولوجيات ميدانية ... إلخ. ولا يهم إذا كانت عوامل الشعور هذه واقعية أم لا واقعية، ما يهم هو ما يتبقى من الموضوع بعد أن تم رده مرتين ثم تغليفه مرات عديدة. هذه الملاحظة ليست موجهة من إمكانية قيام أنطولوجيا كعلم شامل، بل هي فقط تذكير بمبدأ «العود إلى الأشياء ذاتها». في الظاهريات التطبيقية، يظهر الموضوع في واقعيته الخاصة دون أي تغليف عقلي. التطبيق يبغي الواقع، ويتجه نحوه؛ فالواقع أغنى وأكثر دسامة من التصورات والمقولات.