تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

ولا يمكن حل مشاكل اللاهوت في إطار الفلسفة الظاهراتية، علاقة اللاهوت بالظاهريات علاقة تعارض وليست علاقة تماثل، علاقة تبرير وليست علاقة حل وسط.

17

إذا وجد الأول غاب الثاني؛ لذلك يستحيل وجود لاهوت في إطار ظاهريات الدين، ولا يوجد إلا حلان؛ إما أن يظل اللاهوت كما هو عليه، شيئيا وتاريخيا، والظاهريات ما هي إلا طريقة أخرى في التبرير.

18

وإما أن تقضي الظاهريات كلية على اللاهوت، وهو حل يقيني ثابت لا يتزعزع، لا يمكن الشك فيه. والقضاء على اللاهوت لا يتعلق فقط بتدمير موضوعاته التاريخية والعقائدية، ولكنه يتعلق أيضا بتطهير اللغة. ولا يعطي اللاهوت في إطار ظاهريات الدين فقط تبريرا مرة أخرى للاهوت القائم، بل يستمر في استعمال مصطلحات اللاهوت مما لا يساعد على الطرق السلبية في التعبير في اللاهوت.

19 (5) الوحي كعلم محكم

وبالإضافة إلى هذه التمييزات الأساسية والعودة إلى الإشكالات الثلاثة في التأويل، يبحث الشعور التاريخي في الظاهريات النشوئية المعطى الأصلي ابتداء من المصدر الأولي. وبالرغم من أن لنصوص الإنجيل من حيث المبدأ وحدة المصدر في أقوال يسوع، إلا أنها في الواقع تنتمي إلى مصادر عدة؛ هناك المصدر اليهودي عند يعقوب، والمصدر اليهودي المسيحي عند بولص ... إلخ. البحث عن المصدر الأول يستطيع حل المشاكل الخاصة بالصحة التاريخية للنص. المصدر الأول وحده، أقوال يسوع، هو المصدر الشرعي في حين أن المصادر الأخرى، اليهودية واليونانية والشرقية، مصادر تاريخية صرفة. تساعد الظاهريات النشوئية بمقولاتها عن الانتشار والانحسار، والتواصل والانقطاع، والسنة والانحراف ... إلخ. وعلى اقتناص النواة الأولى لمعطى الوحي مع التخلص من كل التغيرات والانحرافات التي لحقت به على مدى التاريخ. مثلا في الحالة الراهنة لدراسات الكتاب المقدس كان الإصرار على التواصل بين التوراة والإنجيل أكثر من الانقطاع، ونتيجة لذلك سيطر العهد القديم على العهد الجديد.

20

وكان الهدف من إقامة ظاهريات حركية موضوعها التطور بجوار الظاهريات السكونية وموضوعها البنية هو إصلاح التأويل الحالي الذي يتعامل فقط مع المشاكل التاريخية واللغوية دون الإشكال العملي، وتستطيع الظاهريات الحركية تحويل التأويل من الوجود إلى الصيرورة.

21

غاية الظاهريات تأسيس التأويل كعلم محكم بعيدا عن النزعتين؛ التاريخية والعقائدية، وتستطيع الظاهريات النشوئية أن تعيد بناء الموضوع بالبحث عن نواة معناه.

22

وفي الشعور النظري، يتحول الوحي إلى علم دقيق. وفي تأويل الظاهريات كل علم إنساني، بفضل الظاهريات، يتحول إلى علم محكم. والوحي علم إنساني كمادة للبحث، ويستطيع أن يصبح بطبيعته ذاتها بمساعدة المنهج الظاهرياتي علما محكما. الوحي كلام، والكلام لغة، واللغة محفوظة في النص؛ ومن ثم يظهر الوحي في صورة نص، خاصة بعد الانتقال من التراث الشفاهي إلى التراث المدون، وإذا كان التأويل منطق النص، والنص هو الوحي المدون، يصبح التأويل منطق الوحي. غرض «ظاهريات التأويل» تحويل الوحي إلى علم محكم. والواقع أن المأساة الحالية التي يوجد فيها الوحي مأساة كبيرة تتمثل في الخلط بين الوحي والنبوة، والوحي والإلهام. الوحي كلام الله على لسان الرسول ، في حين أن الإلهام هو الكلام الشخصي للصحابي أو التابعي. وإذا أرادت الظاهريات تحويل كل علم إنساني إلى علم محكم، فإن «ظاهريات التأويل» بالتالي تريد تحويل الوحي إلى علم محكم، وتطبيق مبدأ البداية الجذرية ينفي فلسفة الدين باعتبارها المشكلة الأولى في «ظاهريات التأويل»، ويقتضي فهم النص تفسيره، ويفترض تفسيره منطقا لغويا مسبقا؛ ومن ثم فإن كل جهد لصياغة ظاهريات الدين ابتداء من فلسفة الدين، خاصة ابتداء من الظاهريات الدينية القائمة، هو تجاهل لمبدأ البداية الجذرية.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٢٠٥