23
وقد وصلت ظاهريات التأويل إلى نتيجة مؤداها أن الظاهريات أساسا منهج وليست نظرية. والوحي في الدراسات الحالية مطمور تحت ثقل العلوم العقائدية التي تغلفه في أنساق في التاريخ بإثبات حوادث ونفي أخرى، وفي العقل بقبول مخططات ورفض أخرى. وبفضل المنهج الظاهرياتي يعود الوحي إلى طبيعته الأصلية كطريقة للحياة وللوجود. ويقضي على الدوجماطيقية التي تكبل الوحي كي يصبح منهجية وجودية للحياة الفردية والاجتماعية، يتكون دائما تدريجيا ومنهجيا أكثر من تبنيه مسبقا ثم تحويله إلى عقيدة بعد ذلك. يتكون أكبر مما يبرر؛ فالواقع أنه عندما يقع الوحي في الدوجماطيقية والنزعة التاريخية يكون مقترضا دائما على نحو مسبق في صورة موضوعات عقائدية وتاريخية، ويقوم العقل بدور التبرير هذا، والذي يتفق معه تماما لأن العقل يحسن ذلك. وضد هذه المواقف يحول المنهج الظاهرياتي، ببدايته الجذرية، الوحي إلى حركة تبدأ من جديد دائما ابتداء من بداهات أولية من أجل الوصول إلى الأصل؛ وبذلك يتجنب الوحي أي بناء عقائدي أو تاريخي دون بحث مسبق لأسسه.
يخرج الوحي عن إطار الدين التاريخي أو اللاهوت العقائدي، الوحي كلام الله المستقل عن التاريخ. وقد قام بهذا الدور من قبل «رد» التاريخ و«تكوين» التاريخانية، وتطبيق التمييزات بين المفارقة والحلول، بين الواقعة والماهية، يستطيع الوحي كحقيقة إنسانية تتحول إلى نظام مثالي للعالم أن يقضي على اللاهوت العقائدي الذي يضع عقائد شيئية يتم إثباتها أو نفيها عقليا، ويتم تكوين الوحي بعيدا عن النزعتين؛ الصورية المجردة والمادة التاريخية.
ويجد تأويل الظاهريات في المجموعة المنطقية منهج انتقال من الصوري إلى المادي إلى الترنسندنتالي، ويستطيع هذا المنهج أن يقضي على الاضطراب الذي يوجد الآن في الوحي الموزع بين الصورية اللاهوتية والعقائدية التاريخية. وبتطبيق مبدأ العود إلى الأشياء ذاتها، يستطيع التأويل أن يخرج من أزمته الراهنة بصدد المعركة الزائفة التي يقودها اللاهوت؛ إذ يتجه التفسير الحالي للنص المقدس كلية إلى الحفاظ على العقائدية التاريخية أو التاريخية العقائدية، وترك الأشياء ذاتها في العالم الذي يكتشف النص عن حقيقته.
تستطيع الظاهريات أن تحل الأزمة الحالية للتأويل عن طريق تطهير اللغة؛ فالواقع أن كل البحوث الدينية تعبر عن نفسها بلغة غير ملائمة ومستعارة من التاريخ أو العقائد، ويأتي لفظ «الله» في الصدارة في هذه اللغة السلبية، ويمكن استعمال هذا اللفظ بأكثر من طريقة للتعبير عن مفاهيم مختلفة بل ومتعارضة، وتستطيع لغة الظاهريات بعد تبسيطها أن تحسن التعبير، وبطريقة أكثر إحكاما، عن مادة التأويل، مع أقل قدر من خطر الوقوع في التناقض. لغة الظاهريات هي التي ورثت لغة الفلسفة الأوروبية كلها خاصة لغة العصور الحديثة، وكانت الظاهريات تقوم بدور التطهير للغة القديمة؛ فألفاظ الشعور، الزمان، العمل، العالم، الآخر ... إلخ؛ ألفاظ أكثر انفتاحا وأكثر إنسانية وأكثر تحولا من ألفاظ «الله» و«الدين» و«المسيحية».
24
وفيما يتعلق بالشعور العملي يعلن عديد من المخططات في التأويل الراهن عن حقائق منقولة من مستوياتها الخاصة، مثلا توجد الأخرويات كدراسة لمجموع الوقائع القادمة: الموت، البعث، اليوم الآخر ... إلخ في وضع عقائدي بسبب غياب أي إنارة إنسانية. تقدم الظاهريات للاهوت توجها رئيسيا نحو الخبرة الذاتية والخبرة المشتركة؛ ومن ثم يمكن إنارة الأخرويات بالغائيات، ولا يستطيع اللاهوت في إطار ظاهريات الدين استعمال الغائيات كبرهان على وجود الله كما تم استخدام اكتشافات فلسفية أخرى، ويشير لاهوت العالم إلى الغائية في الطبيعة كميل نحو الكمال. ويشير المشروع والعمل والتحقيق إلى الغائية في الوجود الإنساني دون أن تكون على الإطلاق قفزة عقلية نحو المفارقة أيا كانت. الغائية هي البنية الداخلية للوجود الإنساني الذي تكمن ماهيته في رسالته.