تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12 (4) التحليل الوجودي للواقعة الإنسانية

يتم تفسير العقائد بإرجاعها إلى مصدرها في الوجود الإنساني، فمثلا في التثليث هناك الأب والابن والروح القدس.

وبأخذ دلالة النص مع التحليل الوجودي للواقعة الإنسانية يلاحظ أن التثليث علاقة رأسية، في حين أن التحليل الوجودي للواقعة الإنسانية علاقة دائرية. الابن الذي يمثل الشخص خارجية محضة وليس مركز الدائرة، وعالم الآخرين وعالم الأشياء غائبان تماما، ويضاف الأب والروح القدس إلى الابن، وهو المقولة الإنسانية الوحيدة، ويصبح التحليل الوجودي للواقعة الإنسانية أساس أي تفسير لدلالة النص، وفي ظاهريات التثليث يصبح الابن الشخص النموذجي ليتكرر مثل الآخرين، هو مركز العالم، والآخر محيطه الإنساني، والشيء بيئته الطبيعية التي تكون عالمه. الآخر الطرف المتضايف مع الأنا كوجود في العالم.

ولا تستخدم نظرية البداهة فقط في فهم النص المقدس بالإدراك المباشر لمعناه، ولكنها هي الضامن لاختفاء ما يسمى بالسر المفترض دائما في صلب التأويل، فقد افترض السر كمفهوم عقلي بين الأسطورة والتناقض، ومع ذلك تقدم الظاهريات إمكانية إنارتها بمنهج الإيضاح، فإذا وجد السر في الفهم فإنه لا يوجد في نظرية البداهة، واستحالة رد الوجود الإنساني إلى المبادئ الرياضية والمنطقية ليس سرا؛ لأن المعرفة عاجزة على الفهم، وإذا وجد التناقض في ماهية الوجود الإنساني فهو أمر بديهي، ولا يمكن اتخاذه ذريعة على وجود سر مزعوم لا يكون إلا تبريرا مرة أخرى إلا للاهوت الرسمي.

13

تبدأ الظاهريات بالبداهة الأولى للشيء في الشعور، وبداهة الشيء نوع من البراءة الأصلية للشعور. وبالرغم من أن بداهة الشيء والبراءة الأصلية للشعور مقولات معرفية خالصة، فإن لهما دلالات أخلاقية عميقة، يوجد تشابه في الموجودات على مستويات متعددة في كل مكان؛ ومن ثم ترفض الخطيئة الأولى كبنية قبلية للشعور باسم البراءة الأصلية للشعور، ومن ثم يترك جانبا كل افتراض مسبق لبنية الشعور في اللاهوت العقائدي لصالح شعور على البراءة الأصلية.

وتستطيع أن تقدم نظرية الحدس، لب المنهج الظاهرياتي، خدمة كبيرة للأزمة الحالية للتأويل، خاصة التأويل الدوجماطيقي. ويفتح التنظير الحاد والمذهبية الدائمة لحقائق الوحي التي اعتبرت أشياء الطريق إلى السجال ووجهات النظر والخلافيات، والعقل قادر على ذلك، هذه اللفافة العقلية تحيط الأشياء ذاتها بالغموض إلى درجة أنها تحيط نفسها به، وهي تدور حول ذاتها، ناقلة المسألة من ميدانها الأول. يستطيع المنهج الحدسي أن يدرك الموضوع إدراكا مباشرا دون أي لفائف عقلية، ويمكن فهم معنى النص حدسيا بإرجاعه إلى خبرة حية في الحياة اليومية تنيرها، ولا تتجنب نظرية الحدس فقط كل عقلانية عقائدية، ولكنها تضع منهجا لتفسير النص المقدس، ولا يبرر تطبيق المبدأ الحدسي في فلسفة الدين اللاهوت مرة ثانية في إطار فلسفة ظاهراتية، بل تدمره من أساسه. الحدس اتصال مباشر بشيء، واقتناص مباغت لماهيته واتحاد بالوجود، في حين أن اللاهوت مناقض لذلك تماما؛ فتطور الشيء بمحصلة عقلية لفائف عقلية حول الشيء، مذهبية وحجاجية. يستطيع المبدأ الحدسي أن يخلص فلسفة الدين، مرة واحدة وإلى الأبد، من كل شيء، وهو اللاهوت.

14

وقد أظهر تأويل الظاهريات في التكوين أن الواقعة البديهية الأولى، كما هو الحال في بدايات العصور الحديثة، هي الشعور؛ فالشعور مركز إشعاع في العالم المحيط بعالم الآخرين، المحيط، وبعالم الأشياء، البيئة؛ ومن ثم ينقلب اللاهوت، حجر العثرة في التأويل باعتباره «علم الله» بفضل الظاهريات، إلى «علم الإنسان».

15

ويصبح الوعي الفردي نقطة بداية لكل علم فلسفي، وميدان استقصاء لكل الوقائع الإنسانية. وإن لم تنشأ الظاهريات لأجل سد حاجات اللاهوت، فإنه لا يمكن استعمالها أيضا من أجل تبرير اللاهوت القائم. الظاهريات، وكما يؤكد ذلك تأويلها، حدس ديني صحيح، وكذلك كل الفلسفة الأوروبية، ولا يعني أنها لم تعالج مشاكل فلسفة الدين إلا في الأعمال المتأخرة أنها لم تكن بطريقة ضمنية حدسا دينيا.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٢٠٤