تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

يكفي اللجوء إلى البناء الذاتي الموضوعي للشعور من أجل إثبات وحدة الدين، وهو مضمون الشعور مع الميتافيزيقا، وهي صورته.

وتطبيقا لقاعدتي المنهج الظاهرياتي، «يرد» التاريخ المادي للحوادث والمؤسسات والأشخاص من أجل تكوين دلالاتها أو ماهياتها كتاريخية حية، ويصبح الماضي التاريخي استحضارا بالذاكرة، ويحلل التاريخ بعد رده ليس فقط كتاريخانية ذاتية، بل كتاريخية مشتركة بين الذوات بتحليل البواعث. ولم يكن تدمير الموضوع المادي عن طريق «الرد» في الواقع إلا مقدمة لتدمير العالم. في التأويل الحالي، العالم مخلوق من خالق «خارج العالم». وفي الظاهريات، العالم أيضا مخلوق ولكن في الوعي الفردي. أصل العالم في الشعور في لحظة الوعي به؛ فالوجود ليس موضوع إثبات أو نفي عقلي، بل يتكون تدريجيا كواقع حي، لا يوجد مرة واحدة وإلى الأبد، بل يتواجد باستمرار كمشروع وجود، يوجد ثم يوجد من جديد، ويولد ثم يولد من جديد، وتعطي الظاهريات الحركية فرصة كبيرة لانفتاح الوحي على النشاط الإنساني، وبعد تدمير الموضوع لا يكون «الله» موضوعا أو شخصا أو حادثة تاريخية، وجوده ليس واقعيا بل ممكن، تمتد جذوره في مضمون الشعور، ولا يكون الله أيضا «تصورا» يتضمن وجودا ضروريا كما هو الحال في الدليل الأنطولوجي؛ فالتصور صورة الشعور، ولا يمكن رد الوجود إلى الفكر كما هو الحال في نقد الدليل الأنطولوجي، «الله» إذن مشروع وجود، حال في الشعور، ويتحقق هذا المشروع بتحويل معطى الوحي، وهو كلام الله، كبناء مثالي للعالم. الله كلامه، وهو المستوى المثالي، ثم يصبح العالم، وهو المستوى الواقعي.

7 (3) تحليل اللغة وفك الرموز

والتحليل اللغوي هو الضامن الوحيد لفهم دقيق لمضمون النص، وليست سلطة خارجية عن النص تفرض تفسيرا معينا، بل مضمون النص وفهمه كما هو عليه ابتداء من المبادئ اللغوية، ويكون لهذه المبادئ دوران؛ الأول هدم اللاهوت العقائدي من الأساس عن طريق إعادة تأويل النص بطريقة محكمة ودقيقة؛ مما يهدم من الأساس اللاهوت العقائدي. والثاني إعادة بناء معنى النص كما هو دون إضافة أي شيء من الخارج أو حتى محاجة عقلية. مثلا النصوص الخاصة بالأب والابن والروح القدس؛ تطبق أولا مبادئ الاشتباه، خاصة اللفظ المزدوج الحقيقة والمجاز، من أجل تدمير الحادثة الفعلية المنسوبة إلى النص، وثانيا فهم الأب والابن والروح القدس بالمعنى المجازي المستعمل في الحياة اليومية.

8

وبالإضافة إلى المبادئ اللغوية هناك أيضا فك الرموز. الظاهريات تيار يقوم على فك الرموز من أجل الذهاب إلى ما وراء الرمز،

9

والواقع أن النص المقدس يتضمن رموزا كثيرة وليس أساطير. الأسطورة رمز خيالي في حين أن الرمز واقع مركز. ظاهريات التأويل إذن جهد لفك رموز النص، وهو ما تم القيام به ببراعة في تفكيك الأساطير، الظاهريات تخرق الحقيقة ذاتها من خلال الرموز، وتعطي التأويل فرصة ليرمز عن نفسه من أجل إيجاد الأشياء ذاتها المستترة وراءها. يستخدم دائما فك الرموز، وهي غاية الظاهريات، بعد أن أصبح فك الأساطير في ظاهريات التأويل من أجل إعادة بناء الأشياء. مثلا، اليوم الآخر رمز يدل على بعد المستقبل في الوعي الداخلي بالزمان.

ويمكن إعادة بناء المعنى الذي فهم من قبل أنه حادثة فعلية كالتثليث عن طريق فك رموز النص وفهم دلالته في ضرورة التوسط.

10

لا يتحول الروح إلى طبيعة إلا عن طريق وسيط ثالث، تتحقق وحدتهما أولا عن طريق الازدواجية ثم عن طريق التوحيد، ويصبح الكلام، وهو المعطى الديني، واقعا؛ أي العالم بتوسط الشخص، وهو المسيح، وماهية الشخص التضحية؛ أي العمل.

11

وبعد فهم دلالة النص يصبح التأويل الوجودي للواقعة الإنسانية ضروريا لإعطاء الأساس الفعلي إلى الدلالة الأولى. يعني التثليث الوجود في العالم؛ الأنا، وعالم الآخرين أي البيئة، وعالم الأشياء أو الوسط.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٢٠٣