تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتمييز بين الواقعية والماهية يساعد على تجنب كثير من سوء الفهم الذي يوجد الآن في الفهم ابتداء من التحليل اللغوي للنص المقدس، مثلا كل النصوص التي تتضمن «أبي» على لسان المبلغ، وهو النبي، لا تشير إلى أن النبي هو بالفعل ابن أبيه، بل تدل على ماهية الأبوة والبنوة. الأبوة هنا نوع من التقريب للفهم، لا يشير إذن منطق النص إلى واقعة مادية محددة، بل فقط إلى الماهية تحملها واقعة أو حادثة عيانية وفريدة دالة من أجل تقريب الفهم. الواقعة الأولى أصل أو نموذج تحمل الدلالة وتمتد كل مرة تتكرر فيها الحادثة، ليس المقصود إذن هو الحادثة المادية، وهي مجرد حامل الماهية، بل دلالة الماهية. تستطيع فكرة «الحامل» أن توضح عديدا من أوجه الخلط في فهم النص المقدس الناتج عن إثبات وجود مادي للوقائع والحوادث. والتمييز بين الواقع والماهية مفيد أيضا في التحقيق العملي للنص المقدس؛ فالعمل ليس مجرد واقعة للبدن الذي يتحرك، مجرد تحريك للعضو، بل هو عمل حقيقي في العالم، نتيجة نشاط الشخص الخلاق. كما ترجع النظرة الخارجية للشعائر الآن إلى النظر إلى العمل كواقعة وليس كماهية. ماهية العمل في ازدهار الذات في العالم الخارجي، تتحقق من خلاله كنشاط خلاق في العالم، توسع ماهية العمل ميدان السلوك، ليس فقط على إيماءات الشعائر، بل أيضا على أفعال الإنسان في الحياة اليومية، ليس فقط على أفعال هذا الدين أو ذاك، بل على الأفعال الإنسانية من حيث هي كذلك، دون أي اعتبار لانتماءاتها العقائدية، وبتجنب التمييز بين الواقعة والماهية أي تمييز آخر بين المقدس والدنيوي في الأفعال، وبين القساوسة والعلمانيين في الأشخاص.

يبدأ المنهج الظاهرياتي بتمييزات رئيسية ليوضح الخلط الحالي في التأويل، مثلا مشكلة التراث الحي والحرف الميت، والتي هي على مستوى التاريخ من حيث المبدأ امتداد لمشكلة الرواية على مستوى شعور الراوي، والخلط الحالي بين الرواية والتقرير وبين المشاهد والراوي خلط كبير. الرواية الحالية خليط من الكلام والحادثة، بين شخص النبي وأشخاص آخرين من المحيط، بين الواقع والخيال، بين الطبيعي وما يفوق الطبيعة، بين الكلام المباشر للنبي والوصف الخاص للشاهد.

وبتمييز الظاهريات بين الشعور المحايد والشعور الواضع، وبتحليل تغير الحياد، يمكن أن يلقي كثيرا من الضوء على الخلط الحالي في الرواية. الراوي شعور محايد وليس شعورا واضعا. هو مجرد راو ينقل كلام النبي من جيل إلى آخر، دون إضافة شيء من عنده. الكلام المباشر يكون كل الرواية، مع استبعاد الكلام غير المباشر من وصف الشاهد، ليس الراوي شاهدا. الأول شعور محايد، والثاني شعور واضع. الأول ينقل الرواية والثاني يرويها، ويمكن استخدام المعطى الحي عند الأخير في التفسير وليس في النقل، ليس الراوي مفسرا في حين أن الشاهد يفسر، يستعمل الراوي فقط السمع في حين يستعمل الشاهد الرؤية أكثر من السمع، يرتبط السمع بالزمان، في حين ترتبط الرؤية بالمكان.

وترتبط مشكلة الكتاب والتراث بمشكلة التاريخانية والتاريخ. الكتاب هو التاريخانية لأنه مرتبط بالوجود الإنساني وحده، وجود النبي. والتراث هو التاريخ لأنه مجموع الأعمال التي أنتجتها الحوادث والمؤسسات والأشخاص.

5

الخلط الحالي بين الكتاب والتراث هو أن الكتاب خرج من التراث، والتراث يضيف جديدا إلى الكتاب، وليس للكتاب معنى دون التراث ... إلخ. ويمكن للظاهريات توضيح كل ذلك عن طريق فكرة نواة المعنى، الكتاب هو نواة معنى التراث. (2) البنية والتاريخ

وإذا كان التمييزان الأوليان بين المفارقة والحلول، وبين الواقعة والماهية، مفيدين للغاية للإشكال الأول في التأويل وهو النقد التاريخي، فإن التمييز بين صورة الشعور ومضمونه يفيد أيضا في إشكال الفهم؛ فبعد «رد» التاريخ وتكوينه كتاريخية، وبعد تحويل المفارقة إلى حلول، وبعد إخراج الواقعة خارج دائرة الانتباه من أجل اقتناص ماهيتها، فإن الطريق يكون مفتوحا من أجل اعتبار الموضوع التاريخي النصي أو العملي كمضمون للشعور. النص المقدس موضوع حي في الشعور، والشعور كعقل متأمل في مضمونه هو صورته؛ ومن ثم فإن المشكلة الممزقة للتأويل العقائدي بين الإيمان والعقل تجد حلا لها في مضمون الشعور وصورته كواجهتين للشعور؛ فتعارض أحدهما مع الآخر أو أولوية أحدهما على الآخر أو توحيد أحدهما مع الآخر، كل ذلك يتحول إلى تكامل أحدهما مع الآخر بفضل مساهمة الظاهريات فيما يتعلق ببناء الشعور الذاتي الموضوعي، الصوري والمادي. فقد فتحت الطريق إلى وحدة الشعور بعيدا عن تمزقه بين عنصرين متعارضين، وكل مشاكل البدن والنفس، الأبدي والزماني، الروحي والمادي ... إلخ، هما فصل في وحدة واحدة. والتمييز بين أنماط الاعتقاد وأنماط الوجود يمكن أن تحل الأزمة الحالية في كل العلوم الدينية خاصة اللاهوت؛ فالإيمان ليس إثباتا أو نفيا لوقائع خارجية أو أنساق عقلية، بل هو نمط لليقين، وليس الاعتقاد أيضا بالوقائع الخارجية، حوادث ومؤسسات وأشخاص أو أبنية عقلية، بل نمط وجود في الشعور. وتصطدم ظاهريات الدين أيضا بتصنيف الحلول المختلفة الممكنة في أي فلسفة للدين، وتبني حلا أخيرا.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٢٠٢