تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

| رابعا: جدوى تطبيق المنهج الظاهرياتي في التأويل1

لما كانت الظاهريات أساسا حدسا دينيا بين تخبط البحوث الدينية، خاصة في التأويل، الجدوى الفائقة لظاهريات التأويل، وتظهر هذه الجدوى في الأمثلة الثلاثة من إشكال التأويل؛ النقد التاريخي، والتحليل اللغوي، والتحقيق العملي.

2

تظهر جدوى تطبيق المنهج الظاهرياتي في الظاهرة الدينية بوضوح في ظاهريات التأويل؛ فالنص المقدس هو الأساس الواقعي والموضوعي للظاهرة الدينية، ويصبح الطرف الموضوعي للشعور، وتظهر مشكلة الصحة التاريخية للنص المقدس للمرة الأولى بعد ظهوره كموضوع أولي في ظاهريات التأويل، لم تكتشف فلسفة الدين أو ظاهريات الدين هذا الإشكال، وهي الصحة التاريخية للنص المقدس، والتي يمكن حلها أولا عن طريق النقد التاريخي، وهنا تبدو الجدوى الهائلة لمدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية» التي ورثت كل النقد التاريخي منذ نشأته، وأصبح الشعور، الفردي والجماعي، هو موطن كل تحليل نصي وليس العقائد أو الحوادث التاريخية.

وكان للمنهج الظاهرياتي الفضل في أن يستأنف معركة الفلسفة الحديثة ضد اللاهوت العقائدي، يضع الشعور كبداهة أولى، يبدأ بالحاضر وليس بالماضي، من اللحظة وليس من التاريخ، من الأنا وليس من الآخر، الله أو الحادثة. (1) التمييز بين المستويات

وقد بين تأويل الظاهريات أن المنهج الظاهرياتي منهج يبدأ بتمييزات أساسية، وتتلخص الأزمة الحالية في التأويل في الخلط بين ميدانين متميزين؛ ومن ثم يبدو المنهج الظاهرياتي فعالا وخصبا لو استطاعت التمييزات الأساسية التي يقدمها إزالة كل أوجه الخلط التي تملأ التأويل، وتكون التمييزات أكثر خصوبة في إشكال عنه في إشكال آخر مثل التمييز بين المفارقة والحلول، بين الواقعة والماهية.

والتمييز بين المقارنة والحلول من بين التمييزات الأساسية في المنهج الظاهرياتي،

3

يمكنه تصحيح كل المواقف التي تم اتخاذها من قبل في التأويل مثلا من النقد التاريخي عندما يعتبر النص المقدس كموضوع مفارق، يوجد موضوعيا في العالم الخارجي، تحوله الظاهريات إلى موضوع حال في شعور النبي ومنقول من راو إلى آخر، كما اعتبر الأشخاص والحوادث والمؤسسات أيضا موضوعات مادية موجودة في العالم الخارجي، وتعتبر الظاهريات الشخص كطرف للشعور في تجربة مشتركة. الحادثة واقعة «ترد» من أجل اقتناص دلالتها؛ ومن ثم يستطيع هذا التمييز بين المفارقة والحلول أن يساعد على تقدم النقد التاريخي ونقله من ميدان المفارقة إلى ميدان الحلول.

ونفس التمييز خصب للغاية في التحليل اللغوي؛ إذ يتكون منطق اللغة، كما تمت الإشارة من قبل، من منطق القضايا ومنطق الاتساق (الاستنباط) ومنطق الحقيقة (الاستقراء) طبقا للمعاني الثلاثة للفظ «لوجوس»؛ الكلام، والتفكير، والشيء المفكر فيه. والشيء المفكر فيه ليس واقعة أو حادثة خارجية، بل معطى حي في الشعور؛ ومن ثم لا يصبح النص موضوع التحليل موضوعا مفارقا، بل موضوعا حالا في الشعور.

وفي التحقيق العملي، يصحح التمييز بين المفارقة والحلول عدة مواقف؛ فالإحسان ليس موضوعا خارجيا للأخذ أو العطاء، بل هو قصد خالص. لا يظهر كموضوع مفارق بل كفعل حال في الشعور. ومفارقة الله ليست لحظة التعالي الإلهي، مفارقة الله تستطيع أن تجعله تاريخيا وموجودا خارجيا. الله المفارق إعلان ضمني عن مادية العالم والخارجية الإلهية. العالم أو التاريخ موجود باستمرار في مواجهة الله، ومع ذلك منفصل عنه، وهناك دائما الشخص الإنساني تحت مظلة الله، ومنفصل عنه. مفارقة الله ليست قمة الإعلان عن الإيمان والتدين؛ لذلك لم يستطع اللاهوت في إطار ظاهريات الدين التخلص من المفارقة، وتمت التضحية بالحلول الذي تقدمه الظاهريات.

4

والتمييز بين الواقعة والماهية يضع نهاية لهذه الحالة القائمة التي يوجد فيها التأويل، خاصة التأويل التاريخي؛ فالواقعة التاريخية والشخص والحادثة والمؤسسة ليس لها وجود مادي في التاريخ، ولكنها معيشة في الحاضر، وتستحضرها الذاكرة. الواقعة التاريخية ليس لها وجود بذاته ولكن بدلالتها؛ فالتجسد كحادثة ليس عرضا تاريخيا في زمن ومكان، الحقيقة ذاتها لا تنكشف إلا ابتداء من تجربة عيانية، ليس البحث حادثة تاريخية بل حضور الخلود في الزمان، في الشخص الإنساني في حياته المركزة على فعل بطولي أثناء تحقيق رسالته الخاصة. الشخص، شخص النبي أو العالم، ليس له وجود فعلي تاريخي، بل يعني فقط ظهور الحقيقة في الذاتية. الشخص نفسه، بلحمه وعظمه، ليس له وجود مادي بل مجرد مكان انكشاف للحقيقة. والمؤسسة، أي الكنيسة، ليست تنظيما ماديا على الأرض، بل هو استمرار تجلي النص من خلال التجربة المشتركة، تجعل النص دائما حاضرا ومتجددا باستمرار؛ ومن ثم «يرد» التاريخ كعلم وقائع، دلالته فقط هي التي تؤسس علم الماهية، وللحادثة المتميزة في التاريخ دورها كواقعة دالة حاملة للماهية.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٢٠١