تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

وبسبب غياب منهج محكم في الظاهريات النقدية، ظلت كل مساهمتها في الظاهريات الدينية على مستوى الفلسفة الدينية؛ أي على مستوى نقل مد الأنساق الفلسفية على الظاهرة الدينية بعد أن نقلت إلى أنساق فلسفية منفصلة، لم يتم تطبيق المنهج الظاهرياتي بالمعنى الدقيق، بل إن دراسة المقدس ليست تيارا في الفلسفة الترنسندنتالية أو ظاهريات مستقلة، بل مجرد تفكير في الظاهرة الدينية في فلسفة الدين.

21

وتبدو ظاهريات الدين أحيانا كدراسة لمشكلة واحدة بالتوجه العام للظاهريات، كما درست ظاهرة النبوة من أجل إدراك ماهيتها، وكذلك ظاهرة «المقدس»،

22

ومع ذلك لم توضع الوقائع التاريخية بين قوسين، وما زالت تسيطر وكأنها ماهيات. وبتعبير آخر، لم يمنع توجيه الدراسة بالظاهريات نحو الماهية من الحضور الطاغي للواقعة التاريخية. (3) ظاهريات النبوة

لم تدرس ظاهرة النبوة كظاهرة، بل كظاهرة محددة، وهي النبوة العبرانية مع التمييز بين النبوة في الكتاب المقدس والنبوة خارجه. صحيح أن تصنيفا لأنماط النبوة ممكن، ولكن لأنماط الماهية وليس لأنماط الواقعة، بل إنه حتى في النبوة الحية حيث تتجلى ماهية الظاهرة ساد كذلك تحليل الوقائع التاريخية؛ ومن ثم فقد «التقويس» وظيفته، ولا يوجد من الظاهريات إلا لفظ «ماهية» في العنوان، ولم يتم استكشاف أي لفظ أو مفهوم أو منطقة في الظاهريات.

23

واستعمل مرة واحدة تعبير «ظاهريات النبوة في الكتاب المقدس»؛ مما لا يشير إلى أي ظاهريات.

24

صحيح أن النبوة مقولة للوحي، ولكنها مشكلة خارج النقد التاريخي؛ إذ إن مهمته مباشرة بعد استقبال النبوة، النبوة علاقة بين المبلغ ومصدر الوحي، مشكلة الوعي الفردي للمبلغ، ويهتم النقد التاريخي فقط بنقل الكلام المنطوق من المبلغ إلى المستمع، والنبوة مشكلة في علم النفس أو التصوف دون أن تكون مشكلة نقد تاريخ، والبرهان على صدق النبوة كصلة بين المبلغ ومصدر الوحي، بين النبي والله، لا تتعلق بنظام التجربة، وتستطيع الخبرة اليومية للإلهام إثبات إمكانية النبوة دون الوقوع في النظريات العقائدية حول وظائفها ومصادرها، يتدخل النقد التاريخي إذن في دراسة النبوة فقط من أجل البحث عن الصحة التاريخية لكلام الوحي في نقله الشفاهي أو الكتابي دون إثبات أو نفي الوجود الحقيقي أو الخيالي للنبوة كاتصال بين الله والنبي.

25

وينتمي التمييز بين النبوات خارج الكتاب المقدس والنبوات داخله إلى تاريخ الأديان المقارن، وله مميزاته وعيوبه. مميزاته: التعرف على الآثار والمؤثرات التاريخية من الديانات المجاورة على الوحي. وعيوبه: وضع دين الوحي على نفس مستوى دين التاريخ، دون الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في الطبيعة بين الاثنين،

26

ويبين التوزيع الجغرافي بيئة النبوة.

27

وتساعد الأنماط على التمييز بين نمط الوحي ونمط غير الوحي، مثلا ينتمي الطابع السحري أساسا إلى دين غير الوحي،

28

في حين يبين النمط الأخروي تطور معطى الوحي في التاريخ،

29

ويشير النمط الصوفي إلى مرحلة حاسمة في تطور الوحي،

30

ويشير النمط الاجتماعي بالفعل إلى اكتمال الوحي كنظرية في الحقيقة يمكن أن تصبح بنية مثالية للعالم.

31

ولم يتم إحصاء نبوات الكتاب المقدس إحصاء شاملا، بل تم تحليل نبوات التوراة فحسب. ولم تؤخذ في الحسبان نبوة الإنجيل ونبوة القرآن بالرغم من انتمائهما إلى نبوة الكتاب المقدس، وكان يمكن استخدام النبوة الحية، وهي في الحقيقة دراسة في تطور النبوة في إسرائيل؛ لاكتشاف المراحل المختلفة لتطور الوحي حتى اكتماله، وتبين النبوة في التاريخ بوضوح مراحل تبدأ بإبراهيم وتنتهي بموسى؛

32

الأول أبو الأنبياء، فارس الإيمان، ومؤسس الدين الطبيعي، والمبلغ عن الوحي؛ والثاني المبلغ للشريعة التي تنهل منها كل نبوات إسرائيل. ويكشف التمييز بين «المختار» و«المرسل»؛ الأول نبي بالإلهام، والثاني بوحي خاص عن يقظة الشعور عند الأول، واتجاه الوحي نحو الاكتمال عند الآخر. وكان يمكن اكتشاف قانون تطور الوحي من الشريعة إلى المحبة إلى العمل، ويمكن استخدام منظور العصر للتمييز بين الدين التاريخي ودين الوحي وبين المراحل المختلفة لتطور معطى الوحي ذاته. مثلا يميز الزمان الدائري بوضوح الدين التاريخي، وأحيانا تطور الوحي في إسرائيل، ويظهر الزمان الدائري في الوحي التاريخي أساسا في مفهوم العود الأبدي، في حين أن الزمان الدائري في إسرائيل يحتوي على تقدم في كل دورة لاحقة بالنسبة للدورة السابقة، كل نبوة دورة تبدأ بعد التقدم الحاصل من الدورة السابقة. وأخيرا يميز الزمان الشعائري بوضوح زمن الفعل في اكتمال الوحي في آخر مرحلة، الفعل زماني بل أيضا لحظي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٩٦