11
ويساعد الوعي المستمر بنص الوحي على إدراك الواقع الخارجي الذي يبدو في الخبرة اليومية. القبلي الديني هو إذن شرط إدراك قوانين ماهية الأنطولوجيا العيانية.
12
والمعرفة الدينية معرفة قائمة بذاتها، وموضوعها مثالي ومستقل،
13
وليست المعرفة الفلسفية أو العلمية إلا تحولا للمعرفة الدينية.
14
المعرفة الدينية قائمة بذاتها في مواجهة التاريخ، وليس في علاقتها بالإيمان، فقد تم «رد» لا التاريخ من قبل. الإيمان هو النص المقدس باعتباره قبليا دينيا في نظرية الإدراك، لا يعني قيام المعرفة الدينية بذاتها أولوية «الغنوصية» لا على الإيمان وأولوية الإيمان على «الغنوصية»، وهو ما أمكن حله عن طريق نظرية المعرفة، ولكن استقلال المعرفة الدينية المستنبطة من النص المقدس فيما يتعلق بتجلياته في التاريخ. التجربة الدينية إذن تجربة أولية ومصدر سواء للتجربة الفلسفية أو للتجربة العلمية، ويمكن تجنب ماهية الذاتية بالقبلي الديني، وهو يقين مثالي للتجربة. وبسبب غياب تناول المشكلة الأولى، وهو نص الوحي، فإن مصير كل فلسفة دينية هو مد المناهج والنظريات والمذاهب والأنساق الفلسفية عليها؛ فالواقع أنه لو ندت الفلسفة الدينية عن الوقوع في النزعة النفسية، فإنها تقع من جديد في النزعات التاريخية والاجتماعية والبرجماتية والنقدية.
15
وترجع هذه الأخطاء في الفلسفة الدينية إلى مد الأنساق الفلسفية عليها، وإهمال إشكالها الخاص وطريقة حله، وإذا ما أخذ منطق النص كمشكلة أولية فإنه يمكن تصحيح كل هذه الأخطاء، بالإضافة إلى إدراجها داخل تكوين معنى النص ابتداء من التحليل الوجودي للواقعة الإنسانية؛ علم النفس الوضعي والخبرة الحية في الحياة اليومية، ويمكن تصحيح النزعة التاريخية بالرد ثم استرجاعها في «التاريخانية»، ويمكن تجنب النزعة السوسيولوجية وتصحيحها بحضور الآخر كطرف متضايف للشعور في الخبرة المشتركة، ويمكن استعادة البرجماتية في إشكال التحقق العملي، الإشكال الثالث في التأويل بعد النقد التاريخي والتحليل اللغوي، وتستعمل النزعة النقدية في القضاء على اللاهوت الرسمي بالعودة من جديد إلى نواة معنى النص. وبمجرد ما تترك ظاهريات التأويل، كمنطق للنص، مكانها إلى الظاهرات الدينية، فإنه لا يضيع فقط طابع المنطق العملي التطبيقي، بل تنقص أيضا ماهية معطى الوحي؛ فالواقع أن التأويل كمنطق للنص يضع الشعور في اتصال مباشر وحالي مع الإشكالات الرئيسية، فهو الأرضية الأولى التي منها تبدأ كل صياغة عقلية ونسقية ممكنة؛ فمثلا في البحث عن الماهيات وفلسفة التاريخ الديني، فإن «الرد» المتوقع للتاريخ لم يتم، وكان المكسب تفكيرا جديدا على السؤال دون تصحيح ودون تصويب.
16
ويرجع الفشل النسبي لكل المحاولات السابقة في ظاهريات الدين إلى سببين؛ الأول غياب صياغة مسبقة للمنهج الظاهرياتي،
17
والثاني غياب المشكلة الأولى للتأويل كمنطق للنص؛ وبالتالي منهجية دينية تصبح بعدها ظاهريات الدين ممكنة.
18
ثالثا:
لم تتناول كل ظاهريات للدين إلا مشكلة خاصة لإشكال واحد دون أخذ الموضوع كله في الظاهرة الدينية في شمولها، ليست ظاهرة المقدس ظاهرة الطبيعة الفيزيقية، حادثة أو مؤسسة أو شخصا، بل ظاهرة النص المقدس. وليست تجربة صوفية للسر، بل لسانيات تهدف إلى الفهم الدقيق لمعنى النص. ليس سرا يخيف، بل بداهة تعطي اليقين. (2) ظاهريات المقدس
الظاهريات الترنسندنتالية هي وحدها التي استطاعت أن تعطي منهجا دقيقا، كما استطاعت الظاهريات النقدية من جانبها المساهمة في الفلسفة الدينية دون أن تكون بذلك ظاهريات دينية.
19
صحيح أنه في ظاهرة المقدس ينتمي البحث عن العنصر اللاعقلي في فكرة «الإلهي» وفي علاقتها بالعقلي إلى الموضوع الرئيسي للظاهريات الترنسندنتالية؛ أي البنية الذاتية الموضوعية للشعور.