تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا لم تعلن عن الظاهريات إلا في الخاتمة فإنه من الصحيح أيضا أن العمل كله، على الأقل بمخططه، مقاربة تبعد أو تقترب من ظاهريات الدين. وبالرغم من أن المخطط غير متسق فله بعض الأهمية في موضوع الدين، وبالذات في الدين، كيف يتفاعل الذات والموضوع بعضهما مع بعض، وتذكر هذه العناصر الثلاثة؛ مضمون الشعور، وصورة الشعور، والبنية الصورية المادية. وتقبع الذات نفسها داخل ثلاث دوائر متداخلة؛ النفس، والإنسان، والجماعة. وهو ما يذكر بالأنا الخالص، وبالذات، وبالآخر. ويتم التفاعل المتبادل بين الذات والموضوع مرة بالعمل الداخلي، ومرة أخرى بالعمل الخارجي. هذا بالإضافة إلى أن هذا المخطط الثلاثي كل واحد، هو وحدة الشعور. ويؤخذ الشعور بهذه البنية كمركز لدائرة ثانية دائرة العالم، ولدائرة ثالثة، دائرة الأشكال؛ أي الأنواع المختلفة للدين.

8

فإذا عبر المخطط الأول، الموضوع، الذات، الموضوع-الذات عن ماهية الدين، فإن المخطط الثاني، المخطط السابق في العالم بالشخص، يعبر عن تجليات الدين. وقد تم اكتشاف العالم طبقا للوجود في العالم والشخصيات، والأديان ومؤسسوها، طبقا للصور المختلفة للحقيقة عندما تتحقق في الحضارة.

وهو مخطط قوي وصلب، ولكن مضمونه خليط من دين الوحي ودين التاريخ؛ فالواقع أن دين الوحي ليس من نوع دين التاريخ؛ فالدين اليهودي المسيحي ليس على نفس مستوى ما يسمى بالدين البدائي في أجزاء مختلفة من العالم، ويرجع هذا الخليط إلى الخلط في البحوث الدينية بين الوحي والتاريخ، ويتردد مضمون المخطط بين فهم الماهية والتجربة النشوئية؛ لذلك فإن الإدراك المباشر للماهيات مختلط بالوقائع التاريخية والأنثروبولوجية والتجريبية، يسود الفهم كثيرا التوثيق، وأصبحت ظاهريات الدين رسالة عامة لفلسفة الدين وربما دائرة معارف للعلوم الدينية، فلا يوجد عمل واحد لم يتم ذكره، بل إن عناوين المحاولات هي نفسها عناوين الفقرات، ولا غرابة في ذلك إذا كانت، كما قيل في الخاتمة في تاريخ العلم، تتضمن كل النظريات حول الدين منذ العصور الحديثة.

ثانيا:

ولا تعود فقط مساهمة الظاهريات في حل أزمة الفلسفة الدينية إلى تطبيق الحركة الصاعدة ل «بحوث منطقية» لتفنيد النزعة النفسية، بل بتطبيق كل حركة الأعمال المنطقية.

9

لا يكفي فقط بمساعدة الحركة الصاعدة انتشال الفلسفة الدينية من سقوطها في علم نفس الدين، وسقوط علم نفس الدين في النزعة النفسية، بل من الضروري أيضا استعمال الحركة النازلة في «المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي» لتجنب كل نزعة صورية، وكل تنظير للظواهر الدينية خارج إطارها الرئيسي وهو النص المقدس،

10

ويمكن أيضا استخدام النص المقدس كقبلي من أجل توسيع نظرية الإدراك المثالية للواقعة إلى كل الوقائع المشابهة؛ فالواقع أن النص المقدس يحتوي على ماهية النمط المثالية لحالة يمكن أن تتكرر، ويفترض التشابه في الوجود، ويمكن من جديد إدراك الماهية التي أدركت من قبل في النمط المثالي بفضل نظرية الإدراك في نمط واقعي مشابه أيضا بفضل نظرية الإدراك مرة أخرى؛ وبالتالي يظل القبلي الديني عنصرا محركا لمنهجية الوحي؛ مرة في نظرية الإدراك لنمط مثالي، ومرة أخرى في مد ماهية النمط المثالي على أنماط واقعية مشابهة، يمكن استعمال معطى الوحي على نحو رائع في نظرية الإدراك؛ إذ تقدم الظاهريات نظريات في المعرفة تقوم على شعاع مزدوج من الذات إلى الموضوع، من صورة الشعور إلى مضمونه، ومن الموضوع إلى الذات، من مضمون الشعور إلى صورته. الشعاع من الذات إلى الموضوع هو القبلي، والشعاع من الموضوع إلى الذات هو البعدي، والعلاقة بين الشعاعين علاقة شارط بمشروط. ويستطيع معطي الوحي، وفي حالة ظاهريات التأويل هو نص الوحي، أن يقوم بدور القبلي؛ أي الشعاع من الذات إلى الموضوع، وتظل الخبرة اليومية دائما الشعاع من الموضوع إلى الذات؛ ومن ثم يمكن تجنب القبلي الفارغ الصوري في نظرية المعرفة؛ ولذلك أيضا في ظاهريات الدين يمكن إكمال نقص الظاهريات النظرية الحالي فيما يتعلق بمصدرها القبلي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٩٤