7
الفعل الإلهي هو الميدان الموضوعي للفعل الإنساني، يرى السبب والشرط والمانع والإرادة ومشروعية الفعل الإنساني. الفعل الديني إذن هو الفعل الإنساني؛ أي الفعل القصدي، ينبثق من الشعور لينتشر في العالم، ويتجه نحو آفاق العالم في مستويات عدة؛ الفعل المحايد، والفعل الممكن الإيجابي، والفعل الممكن السلبي، والفعل الضروري الإيجابي، والفعل الضروري السلبي.
8
الفعل إذن سلوك وممارسة وتوجه في العالم، وتحليل صفاته الحالة تحليل منطق الفعل وليس تحليل الفعل «البراكسيس»، وتعني مفارقته أنه يتوق باستمرار نحو الأفضل، لا يبرهن على وجود الله على الإطلاق؛ لأن الله مشروعه، البرهان على وجود الله هو تحقيق كلمة الله كنظام مثالي للعالم عن طريق الفعل. والفعل القصدي فعل فردي وجماعي، ليس فقط فعل «الأنا» بل أيضا فعل الآخر،
9
ولا تتميز القصدية الدينية عن قصديات أخرى لأنها تحتويها جميعها؛ فهي الأكثر تكاملا. صحيح أنه يجوز أن تكون لها صفاتها الخاصة دون إقصاء المنهج الظاهرياتي الذي هي ثمرته؛ فمثلا تعارض الخصائص الثلاث للقصدية الدينية المنهج الظاهرياتي نفسه، بل وتنفيه نفيا جذريا؛ أولا توجه الظاهريات نحو مضمون مفارق للعالم نفي للموضوع الحال في الشعور، ونشأة العالم لحظة الوعي به. ثانيا عدم مطابقة أي صفة خاصة في هذا العالم المضمون القصدي نفي لمضمون التجربة الحية، وهي المادة العيانية لمضمون النص المقدس. ثالثا إمكانية تحقيق الفعل الديني فقط بالفعل الإلهي نفي لأولوية الفعل الإنساني في السلوك.
10
وهكذا لا يبقى شيء في القصدية الدينية تكون أيضا نتيجة تطبيق المنهج الظاهرياتي الذي تم إقصاؤه تماما.
وما زالت ظاهريات الدين مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعقائد، ولا تتناول فقط العقائد التاريخية كحقائق مطلقة، بل تنقلها إلى مستوى فلسفة روح العصر الحاضر مع إدخال بعض الحركية الإصلاحية فيها، ومع ذلك تظل العقائد التاريخية كما هي، موضوعات فعلية أو حقائق معطاة، دون البحث عن أسسها في النص الديني نفسه، وتبرير اللاهوت بالظاهريات أقل حدة عندما يتجاوز اللاهوت ويعود إلى الأصل؛ أي إلى الظاهرة الدينية، وبوجه خاص الفعل الديني.
11
والمراحل الأربع هي: الظاهريات الوصفية، ظاهريات الماهيات، الميتافيزيقا الدينية، والمعرفة بالإيمان. وهي خالية من أي لاهوت باستثناء ربما المرحلة الأخيرة التي يظل فيها الإيمان، على الأقل من حيث اللفظ، على المستوى اللاهوتي.
12
وبالرغم من التقدم الكبير الذي تمثله بالنسبة لفلسفة الدين، تظل أيضا تحت سيطرة المصطلحات اللاهوتية، خاصة لفظ «الله» وصفة «إلهي»، وهو لفظ لا ينتمي إلى فلسفة الدين أو ظاهريات الدين.
13 (2) ظاهريات الوجدان
وظاهريات الدين التي تقوم على أساس عاطفي حركة إصلاح حضاري عام، ابتداء من الظاهرة الأخلاقية الدينية دون أن تقتصر فقط على ظاهريات الدين. صحيح أن المعطى الديني نواة الحضارة التي توجد فيها، ويتجلى بطبيعته في العلم الإنساني في إطار حضاري؛ ومن ثم تصبح ظاهريات الدين علما مستقلا للمعطى الديني نفسه قبل تجلياته الحضارية؛ فالظاهريات الماهوية والظاهرات العيانية يسيران جنبا إلى جنب.
14
وظاهريات الدين القائمة على الحدس الوجداني أقرب إلى التصوف منها إلى المنطق، تصف حضور الخالد في الزمان من خلال الفعل الديني، قد يكون الحدس الوجداني سبب الطابع الصوفي، ومع ذلك يستخدم الحدس الوجداني كذلك في الإدراك، الشعاع من صورة الشعور إلى مضمونه؛ أي من الذات إلى الموضوع ، في مقابل الشعاع من مضمون الشعور إلى صورته، أي من الموضوع إلى الذات، ودون الانتهاء إلى تصوف صريح.
وقد حاولت ظاهريات الفعل الديني أن تضع أولا منهجا ظاهراتيا ملائما للظاهرة الدينية في الظاهريات القائمة على الحدس العاطفي.