18
التمييز بين اللاهوت والدين ضروري؛ فاللاهوت - حتى في تعريفه الرسمي - ليس إلا علما دينيا واحدا مثل غيره من العلوم: الدفاع، الأخلاق، تاريخ الدين، التفسير ... إلخ.
19
اللاهوت هو أقل العلوم دينية، وأبعدها عن الدين، يتصف بالنسقية، والعقلانية، والصورية، والخارجية، والشيئية. وعلى العكس، يتصف الدين بالانفتاح، والحياة، والملأ، والداخلية، والمعطى الديني للشعور. ومع ذلك استبدل الأول بالثاني، وتتردد ظاهريات المؤسسة بين التصورات، مقولات ومخططات، وبين الوقائع أو الحوادث. التصورات هي المسموح بها عامة في الحالة الراهنة. المقولة تصور لاهوتي في حين أن المخطط تصور فلسفي.
20
مهمة ظاهريات المؤسسة أولا البحث عن مصادر التصورات دون أخذها كحقائق معطاة سلفا، ثم «ترد» الوقائع وتضعها بين قوسين، وفي هذه الحالة لا يوجد التصور ولا الوقائع، وتصبح مشكلة العلاقة المؤسسية علاقة زائفة بعد اختفاء التصور والواقعة.
21
| ثالثا: حدود ظاهريات الفعل1
(1) ظاهريات الفعل الديني
استطاعت ظاهريات الفعل الديني تجاوز فلسفة الدين؛ لأنها حاولت منذ البداية تحديد العلاقة بين الفلسفة والدين، وكانت ظاهريات الدين قد قطعت شوطا كبيرا بتطبيق ظاهريات الحدس العاطفي في ظاهرة الدين،
2
وظلت مرتبطة أشد الارتباط بفلسفة الدين أكثر من ارتباطها بمنطق النص. هي ظاهريات الظاهرة الدينية في صورة الفعل أكثر منها ظاهريات نص الوحي، وللنظرية أولوية ظاهرة على المنهج، تسودها المشاكل والمنازعات التاريخية التي أعطت طابع الجدل وسط هذا الركام الهائل من الحجج والحجج المضادة. وهو أمر طبيعي؛ نظرا لطابع المراجعة الحضارية العامة للتيار كله، مع الرغبة في إعطاء كشف حساب لكل تاريخ الوعي الأوروبي، ومع ذلك ظلت الظاهرة الدينية عصية على الرد؛ نظرا لأنها تقوم على قوانينها الجوهرية الخاصة بها؛ ومن ثم اختفت لعبة التحول والنقل إلى فلسفة الدين،
3
واعتبرت مشكلة فلسفة الدين مشكلة للدراسة أولا من أجل للتجاوز ثانيا.
4
وفي فلسفة الدين، تتم مقاومة اتجاهين؛ فلسفة الطبيعة وفلسفة الروح.
5
واستطاعت ظاهريات الدين بتحليل الفعل الديني اكتشاف فلسفة الوجود، وبذلك يكتمل قانون تطور الوعي الأوروبي من الطبيعة إلى الروح إلى الوجود، واستطاعت أن تتخلص من نقل الظاهرة الدينية من مشكلة فيزيقية تقريبا أو من مشكلة أخلاقية. وفي التحديد المسبق للعلاقة بين الفلسفة والدين تمثل الميتافيزيقا الدين، ولم تقبل أنساق الهوية التامة التقليدية التي ترد الميتافيزيقا إلى الدين، أو الغنوصية التي ترد الدين إلى الميتافيزيقا، أو أنساق الهوية الجزئية التي يتضارب فيها الاثنان للإعلان عن نسق تطابق التاريخ.
6
وهذا الأخير ليس فقط إثباتا تاريخيا ضد عيوب أنساق الهوية التامة أو الجزئية أو ضد الأنساق الثنائية، بل هو في طبيعة الوحي ذاته؛ فالوحي له بنية قبلية ثلاثية؛ الوحي والعقل والواقع. ويشير نسق التطابق إلى الهوية الواقعية بين الوحي؛ أي الدين، والعقل؛ أي الميتافيزيقا، باتجاهيها المثالي والواقعي.
وتحلل ظاهريات الدين على نحو جذري الفعل الديني؛ فهي أقرب إلى ظاهريات العمل الخاصة بالبعد الثالث للشعور، وتمثل البعد الثاني وهو الشعور النظري. نظرية الحدس العاطفي أساس الظاهريات الحركية في حين يختفي البعد الثالث تماما، الشعور التاريخي، وكأن ظاهريات الدين ممكنة دون أن يسبقها نقد النص المقدس، ويظل وصف الفعل الديني مترددا بين فعل المعرفة وفعل الوجود. وبعبارة أخرى، تميل ظاهريات الدين أساسا نحو الشعور العملي، وتمر عن بعد بالشعور النظري، وتسقط تماما الشعور التاريخي، وكان يمكن لظاهريات الفعل الديني أن تصل مباشرة إلى البعد الثالث في الشعور الديني وهو الشعور العملي؛ فالفعل الإلهي والفعل الإنساني يمثلان قطبي الفعل الوضعي والفعل القصدي؛ الأول الفعل من منظور الله، والثاني الفعل من منظور الإنسان. الفعل الوضعي فعل إلهي في حين أن الفعل القصدي فعل إنساني؛ فالإلهي ليس هو الشخص الإلهي بل فعله فحسب، الهوية الإلهية موضوع نظرية العدل الإلهي في مقابل اللاهوت الذي يعتبر الله موضوعا للاهوت العقائدي، والتحديدات الصورية للإلهي إسقاطات من الروح الإنساني، والتحديدات المادية إسقاطات من الطبيعة الإنسانية، والوجود الإلهي إسقاط من الوجود الإنساني.