16
ونقطة البداية في التجربة المسيحية ليست المؤسسة المسيحية بل نص العهد الجديد. (2) ظاهريات التاريخ
وفي الدين التاريخي، من الحكمة التمييز بين التاريخ قبل تحقيق الوحي وبعده، قبل التحقق كان دور الوحي التجريب الذي يقدر الوحي على قدر المستوى الإنساني من أجل إدخال الواقع داخل الوحي في اكتماله الأخير، في حين أنه بعد التحقق يصبح التاريخ ميدان العمل للذات الفاعل والنشط، ويصبح معطى الوحي نظاما مثاليا للعالم بعمل الذات ، وأثناء تطور الوحي ليست الحوادث والمؤسسات ولا الأشخاص حقائق، بل وقائع لها دلالاتها؛ مثلا تدل الواقعة على الواقع، وتدل المؤسسة على الجماعة، ويدل الشخص على الشعور، وفي ظاهريات الدين كل المجموع التاريخي أثناء تطور معطى الوحي يوضع بين قوسين من أجل الإبقاء على الدلالة وحدها، وهذا ما لم تفعله ظاهريات المؤسسة، ماهية الكلام الإلهي مستقلة عن الحوادث التي تحملها.
17
وفي الدين التاريخي، الخلط بين التاريخ والوحي خلط دائم. صحيح أن الوحي تاريخي أثناء تطوره كميدان للتجربة، وبعد تحققه كميدان للفعل، ومع ذلك ليس الوحي تاريخيا كما هو الحال في ديانات الطبيعة غير الموحاة؛ فهذه لم تتأسس ابتداء من الوحي، بل أسستها العقول العظيمة كعلم للأخلاق أو أسستها الجماعات البشرية كوظيفة اجتماعية. دين الوحي ودين الطبيعة غير الموحى به، كلاهما تاريخيان، ولكن ليس بنفس المعنى.
وقد عقد التوازي بين النوعين من الدين لغاية دفاعية خالصة، يقوم الدفاع بالمقارنة بين دين الوحي كالمسيحية، ودين الطبيعة غير الموحى به مثل الدين اليوناني الروماني من أجل إعطاء الأولية للأول على الثاني. ونظرا لأن النوعين من الدين منفصلان انفصالا جذريا بعضهما عن بعض، ومختلفان اختلافا نوعيا، وضع دين الوحي على نفس مستوى الدين التاريخي، وكأن ذلك دفاع عن الأول؛ لذلك تمت المقارنة بين الأسطورة في دين الوحي مع الأسطورة في الدين التاريخي، بين الشعائر في دين الوحي مع الشعائر في الديانات التاريخية ... إلخ. وهناك موضوعات ومخططات وبنيات عديدة في دين الوحي، مع أنه خال منها تماما، للمقارنة طوعا أو كرها مع مثيلاتها في الدين التاريخي. وفي النهاية انقلبت غاية الدفاع عن دين الوحي كالمسيحية إلى نقيضها؛ لأن الدين التاريخي في الحقيقة هو الذي يفرض موضوعاته وأبنيته على دين الوحي. وتاريخ الأديان المقارن مليء بالأمثلة على هذا القلب اللاإرادي للغاية؛ فالمقارنة بين الأسرار المسيحية والأسرار الوثنية من بين الموضوعات الأثيرة في تاريخ الأديان، وفي هذا العصر الفرق بل ربما التعارض بين دين الوحي والدين التاريخي يكون أكثر وضوحا من التشابه أو التماثل بينهما.
ويتجلى الدين على مستويات عدة؛ أولا يتجلى الوحي تدريجيا في التاريخ، في جماعة متكونة، حتى تحققه النهائي في آخر مرحلة بعد مسار تجريبي طويل للنجاح والفشل؛ ثم يجرب الوحي في الواقع من خلال الوعي الفردي والوعي الجمعي. كان النجاح باستمرار في الوعي الفردي، البقية الصالحة، والصفوة المختارة. وكان الفشل من جانب الوعي الجمعي، واستعملت آيات كثيرة لإدخال الوحي في الشعور عن طريق أشخاص عدة لإعلان كلام الوحي من أجل إظهار معطى الوحي دون أن تكون معطيات في ذاتها. هنا، للتاريخ، أي للجماعة الإنسانية، دور إيجابي في إدخال الواقع داخل الوحي، وبعد اكتمال الوحي يتوقف دور التاريخ كميدان للتحقق، ويظهر الدين أيضا في مستوى ثان هو العالم الواقعي؛ فبعد اكتمال معطى الوحي يتوقف دور التاريخ كميدان للتجربة، ويستمر كميدان حقيقي للفعل، ومعطى الوحي الذي تحقق مثال، يتحقق كنظام مثالي، وبنية فعلية في العالم؛ فقد تحقق معطى الوحي بالفعل كحقيقة إنسانية، كمعطى أصلي للشعور، وفهمه كإيمان أخلاقي، في مقابل الإيمان الرسمي، وكعاطفة في مقابل الصورية، وكتصوف في مقابل الشعائر؛ إنما هو ترجمة إلى لغة فلسفية وببحث إنساني بعد أن تحقق كمعطى أصلي للشعور، الدين الذي يظهر ليس هو دين المؤسسة بل هو الذي يتحول إلى نظام مثالي للعالم.