8
ليس الوصف إعادة بناء تاريخي باسم ظاهريات الدلالات المسيحية، بل هو تفكيك مسبق لكل بناء من أجل البحث عنه نواة معطى الوحي كمعطى أصلي.
9
صحيح أن الدين هو الشامل العياني، ولكن ذلك لا يتحقق فقط في التاريخ، بل أيضا في التحليل اللغوي للنص للبحث عن الفكرة الشاملة والوضع الفردي في آن واحد، الفكرة هي العام الذي يجد فيه كل الأفراد وضعا مشتركا، في حين أن الوضع الفردي هو لكل فرد على حدة، الدين الشامل العياني في حاجة إلى أن يتحول من مستوى التاريخ إلى مستوى اللغة.
10
ثانيا: ظاهريات المؤسسة أقرب إلى فلسفة الدين منها إلى ظاهريات الدين،
11
وهي أقرب إلى فلسفة المسيحية منها إلى منطق نص العهد الجديد. ظاهريات الدين، والتي تعينت بعد ذلك في ظاهريات المؤسسة، هي جزء مستقل عن فلسفة الدين، ولم تتم صياغتها كعلم جذري، بل كفلسفة مثل غيرها داخل العلم-الأم، وهي فلسفة الدين. في ظاهريات المؤسسة، وكما هو حال فلسفة الدين، ما زال الخلط قائما بين الدين والفلسفة، صحيح أن الفلسفة والدين شيء واحد، ولكن القضية كيف؟
وتحتوي ظاهريات المؤسسة، مثل فلسفة الدين، على كلمات وتصورات كبيرة، تشير إلى أشياء معروفة وبسيطة للغاية. مثلا الإشارة إلى الوحي في إسرائيل بتعبير الدين النمطي، هذا القدر الجامع من الكلمات تجعل ظاهريات المؤسسة خاضعة لمصطلحات مستحدثة، وتوحي بأنها نسق فلسفي صغير، ظاهريات الدين بسيطة للغاية؛ تعبر عن نفسها بلغة عادية دون بناء أي مذهب من أجل تجنب الأخطار الموجودة سلفا في العلوم الدينية خاصة اللاهوت. الدين النمطي ليس إلا طريقة أخرى لإحصاء المراحل المتتابعة للوحي قبل اكتماله، وتصبح معيارية بعد تحقق الوحي كمعطى أصلي للشعور.
12
كان العهد قبل اكتمال الوحي، ثم نقض مرات عديدة، تقريبا في كل مرحلة،
13
وبعد اكتمال الوحي، يظل العهد القديم قائما وممكنا لكل وعي فردي أو جماعي يلتزم به. ليس العهد شيئا معطى من قبل، بل هو حق مكتسب، ولم يعد مطروحا لوعي جمعي محدد بل وعي ممكن، فردي أو جماعي، لقد نقضت إسرائيل العهد عدة مرات حتى ظهور المسيح، فقطعه الله من طرفه، يظل العهد ممكنا من الطرفين؛ إذا حافظ عليه الطرف الإنساني يحافظ عليه الله. ليس هدف تطبيق المنهج الظاهرياتي في الظاهرة الدينية إقامة لاهوت جديد مرة أخرى بل إقصاء كل لاهوت، وليس هدفه مدخلا جديدا لإقامة لاهوت عقائدي تاريخي قائم من قبل، بل العثور على معطى الوحي كمعطى أصلي، وهو ما يمكن الحصول عليه بالاتصال المباشر بين الشعور والنص المقدس؛ ومن ثم فإن ظاهريات الدين هي أساسا وقبل أي شيء ظاهريات للتأويل.
ثالثا: ظاهريات المؤسسة هي مجرد طريقة في التعبير أكثر منها منهجا حقيقيا للبحث، وتظهر عبارة «ظاهريات المؤسسة» هنا وهناك من أجل التذكير بالعنوان دون تطبيق فعلي للمنهج الظاهرياتي في الظاهرة الدينية. صحيح أن «الصورة»، «المضمون»، «الخبرة المشتركة»؛ تصورات يمكن أن تساهم إلى حد كبير لإقامة ظاهريات المؤسسة،
14
ومع ذلك ليست الصورة هي صورة المؤسسة القائمة تاريخيا، بل صورة اللغة التي تشترط وجود المؤسسة في النص المقدس، وليست الخبرة المشتركة مجموع التجليات الحضارية للنص المقدس دون أي مقياس لموضوعيته. صحيح يرجع اكتشاف هذه المصطلحات إلى منهج التحليل النظري للخبرات الحية من أجل صياغة فلسفة للدين تخترقها بين الحين والآخر ظاهريات الدين، خاصة ظاهريات المؤسسة.
15
والتحليل النظري ليس جانبا للمنهج الظاهرياتي وليس منهجا مستقلا؛ لذلك لم يتم التعرف على أن «الصورة» و«المضمون» و«الموضوعية» ثلاثة جوانب للشعور. يضع المنهج الظاهرياتي أولا الشعور كموطن للموضوع، ثم يأتي التحليل النظري بعد ذلك للكشف عن الجوانب الصورية في الموضوع. ظاهريات الدين ليست ظاهريات المؤسسة بل ظاهريات النص،