113
والحرية الفاعلة للوجود الفاعل أساس كل عمل. الفعل هو الذي يحدد غاياته ودوافعه. الفعل تعبير عن الحرية. ليست للحرية ماهية، بل على العكس الحرية أساس كل الماهيات. ليست الحرية شيئا آخر إلا الإعدام. إنها العدم نفسه داخل قلب الإنسان. إلى هذا الحد ينتهي تحليل الفعل: الحرية العادمة ماهية الوجود.
ثم توجد فلسفة المشروع. الإنسان هو ما يفعل. الإنسان أولا مشروع ذاتي.
114
الإنسان يختار بنفسه. والفعل الفردي يلزم نفسه بالإنسانية كلها. وتتكون العاطفة بالأفعال، والفعل بلا أمل.
الظاهريات تكوينية بالأساس، تبحث عن نشأة الماهية العيانية.
115
ومع ذلك، يظهر الجانب الحركي كحركية في ظاهريات الإدراك الحسي.
116
صحيح أن مكانية الموضع ليست مثل مكانية الموقف مما يسمح بالتمييز بين حركة الشيء، ويتم إدراكه بالنقاط والأشكال، وحركة الجسد. وتدرك بالمخطط الجسدي، وهو تمييز في علم النفس. ويظل تمييزا علميا، والفعل أكثر من مجرد طريق إلى مكانية الجسم، بل هو تجل للنشاط الخلاق كله، ويثبت تحليل الحركية ميزة الحركات العيانية الضرورية للحياة؛ أي ليس فقط ظهور المكان الجسدي دون قصد معرفي بل نشأة العالم.
117
صحيح أن التمييز بين الدلالة العقلية والدلالة الحركية، بين قصدية نظرية وقصدية حركية، تدل مرة أخرى على أن الجسد هو قوة في عالم ما، ويمكن وضع هذا التمييز خطوة أبعد بحيث تؤدي إلى الشخص كرسالة، وإلى الحياة كخلق، وإلى الوجود الإنساني كمركز لنشاط ممكن. وإذا كان للحركية أساس وجودي، وإذا كان لها وحدتها في «القوس القصدي» الذي يعبر عن الوجود في كل علاقاته تتجاوز الحركية بنيتها كحركة بسيطة، تكشف عن الوجود في نشاطه. وهكذا تظل الحركية كقصدية للجسد على مستوى الواقعة، موضوعة بين قوسين؛ ماهية الحركية هي النشاط، وماهية الجسد هي الشعور. والفرد أو الشخص هو موقع انبثاق هذا النشاط. يظل المكان اتجاها طبيعيا. المكان هو العالم كميدان للفعل، والعادة باعتبارها حصيلة حركية لدلالة جديدة قد تكون دلالة، وتستطيع أن تعبر عن النشاط الخلاق للذات.
118
وإذا اصطدمت حركية الجسد بمسألة النشاط الخلاق بسبب التحليل العلمي، تصطدم الحرية أيضا بنفس المسألة بسبب التحليل النظري،
119
صحيح أن الحرية نقل النشاط الخلاق إلى المستوى النظري الخالص، وكل تفكيك للسلوك إلى باعث، ودافع، وقرار، واختيار، وإرادة، وموقف ... إلخ، امتداد للروح العلمية التحليلية على بداهة الوجود الإنساني، والبرهان لا يثبت ولا ينفي واقعة ما. الواقعة من حيث هي كذلك لا تحتاج إلى إثبات أو نفي. توجد نفسها بنفسها، تمتد أو تنكمش، تنكشف أو تستتر، تقوى أو تضعف. إذن التحليل العقلي للحرية، سواء كانت موجودة أو معدومة، للأنا وللآخر، نقل لواقعة على المستوى العقلي الخالص، ولن يتوقف العقل عن إسقاط تفكيكاته وتجزئاته على الواقع.
120 (3) الحركية في الظاهريات التطبيقية
121
إن غياب الحركية في الظاهريات تم استدراكه في الظاهريات التطبيقية مثل «فلسفة الإرادة»، ونقلت الحركية على المستوى التجريبي اعتمادا على المعطيات النفسية، ومرة أخرى على المستوى العقلي اعتمادا على المعطيات الأسطورية. وبتعبير آخر، أدخلت الحركية مرة في الاتجاه الطبيعي ومرة أخرى في الاتجاه الأسطوري الديني، ويستبعد كلا الاتجاهين بفضل الرد الظاهرياتي. صحيح أنه تم الرد في الحالة الأولى من أجل اكتشاف قصدية ذات بنية ثلاثية: القرار، الموت، الموافقة. والحقيقة أن الرد الظاهرياتي وحده الذي ينكر «الواقعة» التي بين قوسين ليس كافيا، ولا بد من إكماله بالرد النظري الذي يستبعد كل اتجاه نفسي في بحث الماهية؛ لذلك فإن النتيجة التي تم الحصول عليها، العلاقة المتبادلة بين الإرادي واللاإرادي، تتماس مع ماهية النشاط الإنساني دون القبض عليها؛ ولذلك تم اقتراح الحرية الخلاقة كمركز للأفكار المحددة لحرية ليست خلاقة، لحرية تقوم على الباعث وحرية متجسدة تعتبر في حد ذاتها «يوتوبيا» الحرية.