89
ويغيب أيضا النشاط الخلاق في الظاهريات الوجدانية من وصف القيم التي ما زالت منفصلة عن الحدس الإرادي، وغياب النشاط الخلاق هو أيضا غياب للحرية؛ فالحرية للفعل دائما وليست إلا للفعل. وأخيرا يغيب النشاط الخلاق في الظاهريات الوجدانية في ازدواجية بين القيم الشخصية والقيم اللاشخصية. توجد القيم الخلاقة في القيم بين الشخصية.
90
ومع أن التحول من الظاهريات العقلية إلى الظاهريات الوجدانية خطوة كبيرة نحو الظاهريات الحركية، إلا أن النشاط الخلاق ما زال بعيد المنال.
91
وحتى لو تضمنت الفلسفات المتولدة عن الظاهريات بعض الحركية واقتربت من الحياة الفعلية، فإنها تقدم أساسا اكتشافا للوجود تظهر فيها الحركية في الزمانية،
92
وقد تظهر في الفعل،
93
وقد تظهر في حركة الجسد،
94
ومن اللازم للظاهريات قبل أن تكون بحثا في الوجود أن تكتشف العالم في جانبه الحركي. وتصبح كل هذه الحركات تدريجيا فلسفات مستقلة أكثر منها بحوثا ظاهراتية بمعنى الكلمة، ومن الصعب إيجاد صلة بين مناهجها وأساليبها ونتائجها والظاهريات. كان كل باحث ظاهراتيا في البداية، ثم أصبح فيلسوفا كامل المسئولية في النهاية.
وفي التحليل الوصفي للوجود توجد الحركية في التاريخانية كبعد في الوجود الإنساني.
95
والتحليل الوصفي للوجود، طبقا للمعنى الاشتقاقي للفظ، تحليل هو بالضرورة تفكيك نظري لكل شامل. والعنصر الوحيد الذي يمكن اعتباره حركيا هو التاريخانية؛ أي تحديد الوجود الإنساني بالميلاد والموت،
96
ويتحقق استمرار الحياة في الزمان بين البداية والنهاية، ومن خلال التغير المستمر للحالات المعيشة تظل الأنا في نوع من الهوية. ليست حركية الوجود هي مجرد حركة الدافع البسيطة؛ أي الشيء المعطى؛ إذ تتحدد هذه الحركية بامتداد الوجود الإنساني، هذه الحركية هي التاريخي.
97
ولا يقوم المشروع الوجودي لتاريخانية الوجود الإنساني أكثر مما كان موجودا من قبل مطويا في «تزمين الزمانية».
98
الموجود في وجوده هو وحده الذي له مستقبل في الموت، وظواهر النقل والتكرار متجذرة في المستقبل.
وهكذا تظهر الحركية في تاريخية الوجود الإنساني. حركيته، من الميلاد إلى الموت، نهائيته. ومع ذلك حركية الفعل الخلاق والتخليد غائبة تماما، ليست التاريخانية والزمانية مكونين للوجود الإنساني، بل هما أيضا عاملان للتأبيد.
99
وإذا أخذت ماهية الفعل كمركز للتحليل، لأنه من المستبعد تحديدها، فإنها تؤخذ كنقطة بداية لاكتشاف الوجود وراءه؛ ومن ثم فإن ماهية الفعل ليست منفعتها في الواقع، ماهية الفعل في إنجازه. والإنجاز ليس مجرد التحقيق، بل تجلي الشيء في امتلاء ماهيته.
100
ويقتضي الإنجاز ما ينجز، وهو الوجود أولا وقبل كل شيء.
101
والقدرة عنصر الفكر، رغبة الماهية أي رغبة الوجود. وقدرة الفكر إمكانية الوجود أي واقعه، هي قدرة الوجود أي وجوده،
102
حتى الصيرورة فإنها صيرورة الوجود.
ومن ناحية أخرى يحقق الفكر العلاقة بين الوجود وماهية الإنسان،
103
ليس الفكر فقط التزاما بالفعل بل أيضا بالحقيقة،
104
والإنسان هو حيوان ناطق.
105
والتقنية، التي تعبر عن نشاط الإنسان، طريقة الكشف عن الوجود.
106
ويعني فعل «عمل» «فعل».
107
لا يشير الفعل فقط إلى النشاط الإنساني بل أيضا إلى الطبيعة، طاقتها وتحققها؛
108
ومن ثم ينتهي الفعل إلى الوجود. والانهيار خراب عندما يوضع إنسان الميتافيزيقا، الحيوان الناطق، كنحلة شغالة.
109
وتعتبر ميتافيزيقا الإرادة ميتافيزيقا الموجود وليس الوجود. ولن يغير الفعل وحده حالة العالم.
110
ويعني البناء الذي يشير إلى الفعل السكن، ويعني الوجود الفكر.
111
والشعر هو القوة الرئيسية في السكن.
112
وتظهر الظاهريات الحركية في تحليل الفعل الذي يتحقق مرة مع الوجود ومرة أخرى مع الملكية. الوجود والفعل يصنعان مسألة الحرية. الفعل هو تغيير شكل العالم.