3
في حين أن الوحي كواقع خليط بين الوحي والتاريخ، بين الكلام والشخص الذي يعلنه، بين دلالة الواقعة والواقعة ذاتها؛ لذلك ضلت ظاهريات المؤسسة الطريق أولا عن المبدأ أو التصور، وثانيا عن الواقع. ولم تحافظ الظاهريات إلا على اسمها، تضمنت منهج التحليل النظري والنقدي الذي تبنته فلسفة الدين من قبل؛ مما انتهى إلى دفاع راق؛ إذ أعاد التحليل النظري تأويل العقائد القائمة بعد تخليصها إلى حد كبير من عيوب اللاهوت العقائدي والتاريخي، وقد قام النقد بهذه المهمة للتطهير، ليست الظاهريات إلا لفظا يغطي كل هذا المجموع المعقد من الفلسفة بكل أنساقها والدين بكل علومه. صحيح أنه تم وضع الوعي داخل معطى الوحي، ولكنه ظل مسيطرا عليه من أعلى، وأسيرا لتصورات اللاهوت العقائدي، ومسيطرا عليه من أسفل، ومحكوما بالحوادث التاريخية التي يحيل إليها اللاهوت العقائدي. ظاهريات المؤسسة ليست إلا فلسفة الدين التي تأسست من قبل، بالإضافة إلى بعض المفاهيم، وقليل من مصطلحات الظاهريات، وأخيرا اعتبرت الظاهريات كنظرية فلسفية كغيرها من النظريات. وكل أوجه الخلط من قبل في فلسفة الدين موجودة أيضا في ظاهريات المؤسسة، لم يؤخذ المنهج الظاهرياتي، ولم يطبق في المعطى الأصلي؛ أي معطى الوحي ذاته، وبوجه خاص النص المقدس. وظلت الظاهريات مرة أخرى تحت سيطرة لعبة التبرير كدفاع راق، ويظهر تردد ظاهريات المؤسسة بين الوقائع التاريخية التي تكون الدين والنظريات الدينية التي تكون الفلسفة أحيانا في تحليل المؤسسة اليهودية كمصدر للمؤسسة المسيحية، وأحيانا أخرى في تحليل الاختيار، وهي مشكلة فلسفية خالصة، كموضوع للمؤسسة.
4
انتهت ظاهريات المؤسسة إلى الفشل لأسباب عديدة؛ إذ إنها لم تستطع أولا التخلص من لعبة تبرير المؤسسة القائمة بمجرد تغيير طريقة فهمها، ولعبة التبرير هذه هي حجر العثرة لكل ظاهريات للدين حتى الآن. ليس فهم المؤسسة إعادة بناء نشأتها وإعادة فهم معناها في أبنيتها القائمة، بل البحث عن مشروعيتها بالبحث عن أساسها في مصادرها الأولى؛ وهي نصوص الوحي، ونزع كل مشروعية نسبت إليها من قبل. ظاهريات المؤسسة ناقصة لو نجحت في العثور على بنيتها المثالية، وليس تبرير المؤسسات القائمة. والحقيقة أن لفظي «قائم» و«مؤسس» لفظان متشابهان؛
5
إذ يعنيان من حيث المبدأ «وضعيا»، ولكن من حيث الواقع يستعملان بمعنى «تاريخي». الدين القائم أو الدين المؤسس هو الدين الوضعي. ويكون الدين وضعيا عندما يصبح الواقع داخل الوحي. والواقع هو الحياة كما هي عليه. ويتكون الدين التاريخي في المقابل من مجموع الحوادث والمؤسسات والأشخاص خارج الوحي، وقد تؤدي تسمية الدين المسيحي دينا مؤسسا أو قائما إلى هذا الخلط بين «الواقعي» و«التاريخي». «التاريخي» هو المعنى السائد في ظاهريات المؤسسة على ما يبدو؛ إذ يخلق اللاهوت كالعلم-الأم في الحال علوما أخرى للعقائد. لكل عقيدة تاريخية علم؛ فهناك علم الشياطين، وعلم الملائكة، وعلم مريم، وعلم المسيح، وعلم آباء الكنيسة ... إلخ، دون تحديد مسبق بميدان العلم، هناك علم واحد فقط ممكن هو «علم الذات»؛ فالأنا هي المنطقة الأصلية لكل علم ممكن. الظاهريات «علم الذات»؛ ومن ثم فإن ظاهريات المؤسسة خليط هجين ومضطرب من التاريخ والعقائد والفلسفة والدفاع تحت عنوان ظاهريات الدين،
6
ولا يوجد فيها أي مفهوم أو أي تصور أو أي تحليل ظاهرياتي، وكل الافتراضات المسبقة الخمسة ما زالت موجودة.
7
ظاهريات المؤسسة نوع من الفهم الجديد للمؤسسات القائمة دون تغيير أي واحدة منها، وظاهريات الدين أساسا ظاهريات تقويمية، مهمتها إصلاحية بالتخلص من الشوائب التاريخية العالقة بنواة المعطى الديني، وهو نص الوحي.