38
وفي مقابل الوجودية اللاهوتية يستنتج اللاهوت الوجودي من التأويل الوجودي للنص المقدس؛ فالتثليث هو الوجود في العالم، وتصبح الخطيئة البراءة الأصلية للشعور، والفداء هو خلق الذات بالذات، والأخرويات هي الغائية في الوجود الإنساني ... إلخ. وبنفس الطريقة التي تمت بها الوجودية اللاهوتية كتب «لاهوت التاريخ»؛ فهو من ناحية خليط بين الفلسفة واللاهوت، ومن ناحية أخرى بين اللاهوت والتاريخ.
39
لاهوت التاريخ هو في الحقيقة امتداد للوجودية اللاهوتية. صحيح أن التاريخ هو بعد للوعي الفردي، ومع ذلك ليس وجودية لاهوتية، بل هو نقد للنص المقدس، ليس نسقا لاهوتيا جديدا، بل عودة إلى الأصول بالمناهج النقدية. (6) ظاهريات المعرفة الدينية
وإذا كانت ظاهريات الدين جزئيا نتيجة لعبة تبرير اللاهوت بالظاهريات كما هي عليه أو بعد نقدها كمثالية وإكمالها باللاهوت، فإنها تؤخذ أحيانا كمجدبة وعاجزة أمام اللاهوت باسم نظرية المعرفة.
40
أولا تحال الظاهريات إلى مصادرها المدرسية ومن أجل إثبات اللاهوت-الأم كمصدر للمعرفة.
41
وقد تم عرض الظاهريات بحيث يتم تفريغها من أصالتها ودلالتها الخاصة، وأحيل جزء منها، مثل القصدية والدلالة والتجريد الصوري، إلى الفلسفة المدرسية، ونقد جزء آخر، مثل «التقويس» والموضوع الحال والتكوين، كمثالية ساذجة ومصطنعة. صحيح أن الظاهريات تيار في تاريخ الفلسفة الأوروبية التي ورثت العصر الوسيط، وصحيح أن كل مذهب في الفلسفة الأوروبية يتضمن بعض المفاهيم المدرسية بعد تحويلها إلى مستوى الشعور،
42
ليست الظاهريات فقط تيارا تاريخيا، بل هي علم مستقل، يتجه نحو العلم الشامل.
43
وليست مثالية ساذجة ومصطنعة كما يصفها اللاهوت المدرسي، اللاهوت هو المادية والشيئية والخارجية الخالصة. صحيح أن السذاجة عود إلى الأصل، ولكن ذلك ليس إنكارا للطبيعة.
44
صحيح أن الموضوع حال في الشعور،
45
وكل إثبات غير ذلك ادعاء خالص. الموضوع دائما حي في الشعور، والشعور الشامل وحده هو القادر على إثبات وجود الموضوع المفارق، ومع ذلك، هذا الوعي الشامل هو أولا وعي، وهو ثانيا افتراض من الذات، ويوجد في الخبرة المشتركة.
46
والحقيقة باعتبارها تطابق عالم الأعيان مع عالم الأذهان ليست مثالية بل عملية المعرفة ذاتها.
47
ليس «التقويس» إذن احتقارا للعالم، بل على العكس هو إثبات له كموضوع مثالي. وليس تكوين الموضوع المثالي أيضا إعادة بناء مصطنع للموضوع الخارجي، بل على العكس طبيعة المعرفة ذاتها.
48
ولحسم الأمر، من المفيد معرفة من هو الأكثر طبيعية أو الأكثر اصطناعا، الظاهريات أم اللاهوت؟
49
| ثانيا: النزعة التاريخية في ظاهريات الموضوع1
(1) ظاهريات المؤسسة
ومن أجل إقامة ظاهريات للمؤسسة كان من الأفضل استعمال الظاهريات النشوئية. وإذا كان الغرض دارسة المؤسسة اليهودية، فإن الظاهريات النشوئية تكون أكثر ملائمة؛ إذ تقوم هذه الظاهريات أساسا على البحث عن نواة المعنى؛ وبهذه الطريقة تكون ظاهريات المؤسسة قد تخلصت من سيادة الوقائع والحوادث التاريخية التي ندت عن «الرد»، والظاهريات النشوئية التي تبحث عن نواة المعنى، وتخلص من الشوائب التاريخية المتعلقة بمعطى الوحي في التاريخ، لا تميز في طبيعتها ذاتها بين ما هو مبدئي وما هو واقعي؛ فمثلا شعب إسرائيل هو الشعب المميز بالوحي لأنه يكون جماعة بشرية، وله وعي جمعي؛ لذلك عقد عهد بينه وبين الحضور الإلهي، وكان هذا العهد مشروطا بالحفاظ عليه من جانب بني إسرائيل، هذا هو المبدأ. وفي الواقع لم يحافظ بنو إسرائيل على العهد بل نقضوه، رافضين الكلام الإلهي. تاريخ إسرائيل إذن ليس تاريخ الخلاص، بل على العكس تاريخ اللعنة.
2
ومثل آخر على التمييز بين المبدأ والواقع هو الوحي كما هو والوحي كما كان. الوحي كما هو مستقل عن التاريخ، وقائع وأحداث وأشخاص، هو كلام الله المعلن من خلال وعي متميز إلى وعي عادي.